محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٦٨الحياة الدينية ما انتشرت في أمة وعمت أفرادها وعناصرها إلا أصلحت من شأنها ومدت عليها رواق الأخوة والصفاء، فأثمرت فيهم سجايا حميدة كلها ترمي إلى صيانة الوحدة وحفظ الذاتية. ومن أبرز تلك السجايا وأعلاها "الغيرة".
الغيرة أيها السادة، كلمة بسيطة، ولكن مغزاها عظيم، إنها إكسير الحياة، إنها سور حصين وسياج شائك، لا يقي وحدة الأمة من التفكك والاضمحلال فحسب، ولكن يدفع بها إلى مواطن المجادة، ويدفع بها إلى ميادين الشرف، ويحملها على مزاحمة الشعوب والعيش معها في مستواها العالي جنبا إلى جنب.
الغيرة سيف قاطع، بيد بطل شجاع، يتقن أساليب الدفاع والمصاع؟ (كذا). أفيموت هذا البطل وفي يده هذا السلاح الفتاك؟ ولهذا السر أرسل - صلى الله عليه وسلم - لعنته على من تجرد من هذه الخصلة الحميدة فقال: «لعن الله من لا يغار»(1) .
ذلك أن عدم الغيرة كان ولا يزال منبع الشرور، وأصل البلايا والمحن، ومعول هدم يدمر الأسر وينسف الشعوب والأمم، فإذا كان عدم الغيرة بهذه المثابة، فالغيرة بعكسها. وبضدها تتميز الأشياء(2) .
هذه الخصلة التي تتولد عنها ما ذكرناه وما لم نذكره، إن هي إلا شرارة وسقَطٌ من الحياة الدينية.
(1) – لم أجده بهذا اللفظ، ولكن وردت أحاديث في لعن الديوث وهو الذي لا غيرة له، ويرضى الفاحشة في أهله: « عن عبد الله بن عمر رحمة الله عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة قد حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق والديوث الذي يقر في أهله الخبث رواه أحمد» انظر: الهيثمي، مجمع الزوائد، ج4، ص327.
(2) – هذا عجُز بيت للمتنبي، وتمامه:
ونَذيمُهُمْ وبهِمْ عَرَفْنَا فَضْلَهُ … وبِضِدّها تَتَبَيّنُ الأشْياءُ
من قصيدة يمدح بها أبا علي مروان بن عبد العزيز الأوراجي، ديوان المتنبي، ص125.