محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٧١

كلمة في هذا المعنى أثبتناها في المجلد الأول من المنار، من ترجمة الأستاذ الشيخ رحمه الله، عن كتاب "وقائع بسمارك ومذكراته" التي نشرها م. بوسة كاتم سره بعد موته، نكتفي هنا بقوله: "جلس البرنس بسمارك؟ على مائدة الطعام، فرأى بقعة من الدهن على غطاء المائدة، فقال لأصحابه: كما تنتشر هذه البقعة في النسيج شيئا فشيئا، كذلك ينفذ الشعور باستحسان الموت في سبيل الدفاع عن الوطن في أعماق الشعب، ولو لم يكن هناك أمل في المجازاة والمكافأة (أي في الدنيا) ذلك لما استكن في الضمائر من بقايا الإيمان، ذلك لما يشعر به كل أحد من أن واحدا مهيمنا يراه وهو يجالد ويموت، وإن لم يكن قائده يراه" فقال بعض المرتابين: أتظن سعادتكم أن العسكر يلاحظون في أعمالهم تلك الملاحظة؟ فأجابه البرنس: ليس هذا من قبيل الملاحظات، وإنما هو شعور ووجدان، هو بوادر تسبق الفكر، هو ميل في النفس وهوي فيها، كأنه غريزة لها، ولو لاحظوا لفقدوا ذلك الميل، وأضلوا ذلك الوجدان، فهل تعلمون أنني لا أفهم كيف يعيش قوم، وكيف يمكن لهم أن يقوموا بتأدية ما عليهم من الواجبات، وكيف يحملون غيرهم على أداءها، ما يجب عليه إن لم يكن لهم إيمان جاء به وحي سماوي أو اعتقاد بإله يحب الخير، وحاكم ينتهي إليه الفصل في الأعمال في حياة غير هذه الحياة. ثم أطال في ذلك بأسلوب آخر صرح فيه بأنه لولا عقيدته الدينية لما خدم سلطانه وعامله (الإمبراطور) ساعة من الزمن، إلى ما قاله…».

فأنتم ترون –أيها السادة- كيف يستغرب هذا الداهية أن تنتظم معيشته بين أقوام، أو يستطيعون القيام بواجبهم، فضلا أن يحملوا غيرهم على تأديته وليس لهم دين يهمن عليهم ويرغم كل واحد منهم أن يقوم بما يرجو منه المثوبة عند حاكم تنتهي إليه الأعمال في حياة غير هذه الحياة. ألا فليعتبر المعتبرون وليستيقظ الملحدون.

الحياة الفكرية:

٧١ / ١٤٢