محاضرات البكري في العلم والعلماء عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلي، الشهير بـ «البكري»

محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ٧٢

أما الحياة الفكرية فهي روح نهضة الأمم وإكسير حياتها، هي الرابطة التي تربط الشعوب ببعضها، والصلة المتينة التي بين عموم بني الإنسان، فكلما ترقت عقلية أمة كلّما اتسعت دائرة اتصالها بشعوب الأرض، وكلما كثر اتصالها بالأمم ذات الحضارة والحياة، إلا وتقدمت نحو الكمال أشواطا، ثم لا مناص لها من الانفعال لكثرة الاختلاط، سيما إذا اشتد إعجابها بأمة أخرى، فإنها تندفع كمال الاندفاع، وراء محاكاتها وتقليدها، فلا تلبث أن تصبح في مستوى أعلى من المستوى الذي كانت تشغله. وهكذا دواليك، فبكثرة الاطلاع والإمعان في التقليد والمسايرة جنبا لجنب، ينبُه شأنها وتصبح بحيث يُعرَف لها مركزها ومقامها بين أمم العالم، وهنا يتأتى لها أن تعيش في أنس وسعادة.

وهناك إذ تكون في المستوى المعترف به، تكون كالشخص الذي له أصدقاء أوُدّاء وعشراء أصفياء، لا شك وأن يكون أسعد حظا كلّما ازداد عدد هؤلاء الأصفياء، بخلاف الأمة المجهولة من العالم، الخمولة الذكر، فإنها كالشخص الذي عدم الأصدقاء والخلان، لا يعيش إلا كئيبا كاسف البال، لا يستلذ طعاما ولا يستسيغ شرابا طول حياته.

الحياة الفكرية هي القوة التي تحفز الأمم إلى مراتب العلا، وبها تتدارك نقصانها فتتلافاه، هي التي يقارن بها بين الأمم في سائر نواحي الحياة ومقوماتها، فتهبّ بعد ركود وتتحرك بعد جمود، وترتقي بعد سقوط وانحطاط.

الحياة الفكرية تضاعف جهود الأمم وتكهرب عناصرها فينبرون لاستخراج كنوزهم الدفينة، واسثمار مواهبهم المستكنة، وتكشف الغطاء عما لآبائهم من المآثر، وأجدادهم من المفاخر، فيجدون أنفسهم مضطرين أن يعلو هيكل مجدهم على أسس الأجداد المتينة، وبذلك يكونون قد أدوا حق الجدود، وقاموا بترضية ضميرهم. وفي ذلك من الراحة التامة والسعادة المنشودة ما لا يستطيع أن يعبر عنه قلم كاتب.

٧٢ / ١٤٢