محاضرات البكري في العلم والعلماء إعداد مصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٨١1- لإبراز المشروع إلى حيز الوجود فعلاً اتفقنا مع جماعة العزابة أن تكون المدرسة تابعة للمسجد احتماء ببيت الله الذي له حرمته وقداسته، ولو في نظر فرنسا المستعمرة، لأن إنشاء مدرسة حديثة في تلك الظروف يعتبر كفتح مستودع للمفرقعات أو أشد خطرًا. حرام التفكير فيه، حرام طلبه، سيما وقد ازدهاها الغرور بعد العيد المئوي للجزائر. وأصبحت تعتقد أن لا قوة في الدنيا تنازعها البقاء فيها، فهي تأخذ احتياطاتها للاحتفاظ بهذا العلق النفيس، وتسخّر أبناء الوطن عبيدا لها.
وإن إقبال الأمة على التعليم ألغام لها، وإن بعد حين، لهذا يتسنى لطالب فتح حانة أو ماخور، أن يحصل عليه بكل سهولة، بين عشية وضحاها. أما التعليم فجريمة لا تغتفر، وإساءة إلى السلطة الحاكمة، يكتب اسم صاحبها بالحبر الأحمر على راس قائمة المجرمين، تعقّب حركاته وسكناته، وتبدل حسناته سيئات، ثم لا يلبث أن يقع في فخ ينصب له قهرا وظلما، ثم لا تتورع أن تنتقم منه وتريح نفوذها من شره، لذلك احتمينا بالمسجد وأسندنا التعليم إليه، فانطلت الحيلة وضحكنا على ذقن الإدارة العسكرية، فأصبح المدرسة مفتحة الأبواب تعج بالتلاميذ تشق طريقها إلى غايتها، رغم أنف المستعمر الكنود.
2- بعد أخذ الحيطة قررنا أن يكون افتتاح المدرسة ابتداء من أول العام الهجري لسنة 1351، ففتحت فعلا في الميعاد المحدد، في مهرجان رائع حضره العموم، وعلى رأسه جماعة العزابة، وهكذا سارت سفينتنا باسم الله مجراها ومرساها، فأصبحت هذه المدرسة اللبنة الأولى للنهضة العلمية الحديثة في العطف. ورغم أن قضت عليها في مهدها الظروف القاسية، فقد بارك الله في نواتها فأصبح الذين تلقوا فيها معلوماتهم الأولى على رأس الحركة العلمية بعد جيل من الزمن، ولله الأمر من قبل ومن بعد.