محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض (غير مرتبة) محمد بن صالح ناصر

محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - غير مرتبة

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

حزبُ معاوية، حزبُ عليٍّ، و«المحكِّمةُ» وهي الجماعة الرافضة للتحكيم، وقد خرج الإباضيون من صُلب هذه الجماعة الأخيرة، وشهد لهم التاريخ بوضع حجر الزاوية للفكر الجمهوري عند المسلمين، ففي الوقت الذي حصر فيه حزبُ معاوية أمر الحكم في آل قريش، وحزب عليٍّ (الشيعة) في آل علي بن أبي طالب، فقد فتح الإباضيون باب الحكم على مصراعيه أمام كل الناس الذين تتوفَّر فيهم شروط الحكم، ونظرًا لصواب رأيهم هذا ولما لاقاه من الاستحسان لدى الرعيَّة فقد اعتبره الأمويون خطرًا على أطماعهم في الاستئثار بالحكم لاعتبارات عرقية، لذلك استغلُّوا وجودهم على سُدة الحكم لاتهام أهل المحكّمة بالخروج عن الدين، وهكذا يُعتبر الحكم الأموي أول من «سَيَّسَ» الدين خاصة وأنهم اعتبروا أنفسهم من أهل السنَّة دون غيرهم، وعليه فقد صار الأمويون يمثِّلون الإسلام الرسمي، واتهموا الفرق السياسية الأخرى التي تنافسهم وتعارض حكمهم بالزيغ والمروق من الدين، وهكذا فإن معظم ما وصل إلينا من الكتب التاريخية قد تأثر بهذه الخلفية السياسية التي جعلت الكثير من المؤرخين يدوِّنون الأحداث بطريقة شبه رسمية تُرضي الحكَّام على حساب موضوعية التأريخ ونزاهته، ومازال المذهب الإباضي يُعاني من هذا النوع من الكتابة التاريخية المُسَيَّسَة المنحازة إلى صف القَويِّ إلى يومنا هذا. وخير مثال على ذلك الاستمرارُ في اعتبار الإباضية خوارج، وتحميلهم مسؤولية جرائم الفرق الخارجية المتطرفة التي لا صلة لها بالإباضية إلاَّ «رفض مبدأ التحكيم» بين الخليفة الراشد علي والوالي المتمرد عليه معاوية. إذ لم يستسيغوا تنازُل الخليفة علي إلى المفاوضة مع الوالي المتمرد، خاصة وأن موازين القوى العسكرية كانت لصالحه، ومهما يكن من أمر فقد انقسم أهلُ المحكّمة على أنفسهم إلى فرق متطرفة وأخرى معتدلة.

١٠٧ / ٣٤٠