محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض (غير مرتبة) محمد بن صالح ناصر

محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - غير مرتبة

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

وإذن، فمن لم يكن من أهل الاجتهاد، لا يجوز له الإفتاء في عصرنا ـ اليوم ـ، ولذلك تصبح المعادلة كالتالي : كلُّ مجتهدٍ مفتٍ، وليس كلُّ مفتٍ مجتهدا.

على أنَّ هناك عاملاً آخر مهمًّا، لا يمكن إغفاله في علم الفتوى، ونعني به: علم المقاصد. فلا بدَّ للمفتي من الاجتهاد في فهم مقاصد الشريعة، كي تكون أحكامه الفقهية مستجيبة لنصوص الكتاب والسنة.

في ضوء هذه المعطيات كلِّها، يمكننا الإقدام على فتاوى الشيخ بيوض، من منظور مالكي، لنسأل: ما هي أهمُّ المميِّزات التي تطبع هذه الفتاوي، كما تبدو لي كباحث مالكيٍّ؟

المقومات الثقافية لشخصية المفتي:

إنَّ المحلل لشخصية الإمام بيوض، يكتشف فيه شخصية العالم بالمعنى العلمي الإسلامي القديم لمدلول العالم، القائم على الموسوعية المعرفية.

فالشيخ بيوض حافظٌ لكتاب الله، متضلِّعٌ في فهمه، مدرك للمتشابه من آياته، والمنسوخ من أحكامه، ومن ذلك جاء إقباله على التفسير، وعلى الفتوى، وهو واسع الاطلاع في علم الحديث، ملمٌّ بمصطلحه، مصنِّفٌ لصحيحه وحَسَنِهِ وضعيفه.

كما أنه محيط بفقه السيرة النبوية، وتاريخ السلف الصالح، يستنجد بهما في أحكامه، وهو ما أهَّله للفقه والاجتهاد، والفتوى…

من هنا ندرك أنَّ الفقه مهمة العلماء، فلا يسمح للجهلة بتعاطي الفقه والإفتاء، لأنهم يَضِلون ويُضِلون.

فقد قيل:

إنَّ الجاهل بالدين يفسد الأديان

والجاهل بالطب يفسد الأبدان

والجاهل بالسياسة يفسد الأوطان

ويقول الإمام عليٌّ كرم الله وجهه: " ألا أخبركم بالفقيه كلَّ الفقه ! إنه من لم يُيئس الناس من رحمة الله، ولم يرخِّص لهم في معصية الله".

إنَّ هذه المقاييس العلمية نجدها مجتمعة في فتاوى الشيخ بيوض، وهي متطلَّبات كلِّ فقيه ومجتهدٍ، ومفتٍ.

لكن ما اختصَّ به الشيخ بيوض في فتاواه كإباضي، هو أدوات معرفية خاصة غدت بمثابة المصطلحات تلازم أحكامه في الفتوى، وهي المفاتيح بالنسبة لمن أراد غوص مذهبيته من خلال الفتاوى.

٢٣٤ / ٣٤٠