محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض (غير مرتبة) محمد بن صالح ناصر

محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - غير مرتبة

الجزء ١ · صفحة ٣٢

وحتى عندما يكون الخطاب شعبيا والمناسبة سياسية، فإن ذلك لا يكون مبررا للتخلي عن الأسلوب ذي الإيقاع والرنين والبيان الرصين، لأن الشيخ قبل أن يكون زعيما سياسيا ظل خطيبا مبينا، وقبل أن يترشح لكرسي الانتخاب كان ولا يزال أديبا يملك فصل الخطاب. ولنأخذ نموذجا لهذه المراعاة البيانية، هذا المقطع من ندائه الذي توجه به إلى الشعب الميزابي بمناسبة الانتخابات البرلمانية سنة 1948م يقول:

… عليك أن تقدر الانتخاب حق قدره، وتعرف له قيمته وخطره، وتهتم بأمره، وعليك أن تمعن النظر، وتنقد الرجال، وتطيل الاختبار وتحسن الاختيار، فليس الشأن في النيابة دفع مغرم، وأخذ جباية كما كنت تتوهم، أو كما كانوا يوهمونك، إنه يتعلق بأمانتك العظمى حقوقك وعهودك ومميزاتك، إنما نوابك أنت يجري عليك ما يقررون، وينفذ عليك ما يقبلون، وينفلت من يدك إلى غير رجعة ما عنه يسكتون..

ففي هذا المقطع نلحظ كيف كان الكاتب يراعي الإيقاع الموسيقي بين خواتم الفقرات بمراعاة السجع دون تكلف مادام ذلك لا يكون على حساب المضمون، ثم يواصل قائلا:

…إن من أفظع أنواع الظلم أن يساس شعب مثلك هادئ رصين، مسالم أمين، مقبل على عمله، كادح لعمارة أرضه سياسة عسكرية غاشمة مستبدة. ما ذا جنيت فظلموك؟ وماذا أتيت فأذلوك وأرهقوك؟ إن من أشنع الخزي والعار أن يقال عنك إنك تقبلت هذا النوع من الحكم طائعا مختارا، وإنك ارتضيت أن تغل يداك إلى عنقك وأن تقيد بالقيود الثقيلة رجلاك…(1)

هكذا الجملة في كتابات الشيخ بيوض تتميز بالقصر، هي مقاطع متتابعة أوهي جمل مترادفة يشد بعضها رقاب بعض كالحلقات في السلسلة الواحدة يشد ما بينها هذا التوازن والإيقاع الذي يراعى داخل الجمل بمسافاتها الزمنية، وخارجها بمراعاة الحرف الأخير في كل أجزائها.

يقول في رسالة مواسية للشيخ أبي اليقظان بعد احتجاب جريدة الأمة:

…

(1) نداء وبيان إلى الشعب الميزابي النبيل، ص، 6

٣٢ / ٣٤٠