محاضرات مهرجان الشيخ إبراهيم بيوض (غير مرتبة) محمد بن صالح ناصر

محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - غير مرتبة

الجزء ١ · صفحة ٩٣

رفعتني أمَّتي مكانا عليًّا، وقلَّدتني مننا لم تقلِّدها أحدا من قبلي، ففتحت لي القلوب والعقول والجيوب، وأقامت البيِّنات على شدَّة تعلُّقها بي، وعظم أملها فيَّ ورضاها بمشروعي وعملي. فبأيِّ وسيلة أشكر هذه النعمة، وبأيِّ ثواب أكافئ هذا الإحسان، إلاَّ أن أحقِّق أملها وأصدِّق ظنَّها، وما تعلَّقت بي لعَرَض حاضر ولا لغرض دنيٍّ، ولا أمَّلت من خير مغنم عاجل ولا دفع مغرم دنيوي، وما كان الذي أرضاها منِّي شخصي ولا نسبي ولا مالي ولا بدني، وإنَّما تريد منِّي عِلمًا أنشره، وعَلمًا أرفعه، ومجدًا أبنيه وتُراثا مقبورا أستثيره، وحقًّا مغصوبًا أستردُّه، وحريَّة مسلوبة أرجعها، وشبابًا حيران استهوته الشياطين أرشده، وقافلة حائرة أضلَّتها البُنيَّات أهديها السبيل. وإنَّ الذي رضِيَته منِّي دبيبٌ في هذا السبيل تخيَّلَته خببا، وحبوٌ على الرَّكب ظنَّته طيرانا بالأجنحة. هذا الذي ظنَّته فَرَضِيَته، وذاك الذي رغبت فيه فأرادته. ومن لي بأن أحقِّق لها الظنَّ وأبلغ بها المراد؟ ذاك هو شكر نعمتها، وثواب إحسانها، لا كلمة يتلفَّظ بها لسان أو تخطُّها بنان. ذلك الذي أعمل له ولا آلو جهدًا، وأسعى فيه ولا أدَّخر وُسعًا. فإذا كانت الوسائل التي أملكها لا ترضيني فإنَّ التي أرضاها لا تواتيني، فحسبي أن أقطع على نفسي عهدا لا أخيس به، وأعطيتها ميثاقًا غليظا لا أكِلُّ منه أن أقف حياتي وأحبس عليها نشاطي وأفدِّيها بنفسي ونفيسي، وأخدمها ما نبض منِّي عِرق وخفق قلب وطرفت عين، حاملا للكَلِّ، صابرا على الأذى، عافيا عن المسيء، معرضا عن السفيه، مُقيلا للعثرات.

٩٣ / ٣٤٠