محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ١٢ترجم الإمام بيوض (رحمه الله) إيمانه بمفهوم الأمّة الواسع، من خلال مراسلاته مع أعلام معروفين من مذاهب مختلفة، فراسل الدكتور مصطفى الزرقاء، والإمام موسى الصدر، والشيخ أحمد الخليلي، وما ذلك إلاّ دلالة واضحة على عمق الانتماء إلى هذا البعد الأممي المتأصّل في وجدانه، فلم ينكفئ على ذاته ويغلق بابه على مذهبه ويطلب الدعوة بين ذويه وعشيرته، بل كانت مقالاته وكتاباته ومشاركاته تتحرك على مستوى الوحدة، وترقى إلى مستوى الحدث، ولو تعارض ذلك مع موروث رضع لبانه صغيراً، أو تقليد قدسته بيئته حتى كادت أن تتخذه صنماً.
توحي الكتب التي تولى تدريسها في المسجد بهذه الروح العالية، فقد درّس مسند الربيع بن حبيب مدّة ثلاثة أعوام، تلاه «شرح فتح الباري على صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني واستمر الأمر معه أربعة عشر عاماً أخر. وكان، علاوة على نشاطه الدعوي هذا، ينظم البعوث العلمية إلى جامع الزيتونة في تونس، وهو جامع معروف بأنه يعتمد المذاهب السّنيّة في مناهجه. وكان لتلك البعوث العلمية شأن آخر، فقد كانوا يرحلون في طلب العلم وحده، من دون أن يكون لهم همّ في الظفر بالشهادة، التي قد تخدش نقاء الإخلاص في الطلب، فيعودون بوافر المعرفة وإن لم تكن ممهورة بخاتم الإدارة. وهذا أسلوب راق في التربية والتعليم لا نعلم مدرسة انتهجته سبيلاً حتى الآن.
وما أكثر ما كان الإمام بيوض يخرج في فتواه عن المذهب الإباضي الذي تفقّه فيه، ليفتي الناس بما يراه أيسر في الدين، فقد «سأله رجل ظاهر من زوجته بأن قال لها: "أنت عليّ كأختي"، وكان في حالة غير عادية أصيب فيها بضيق في صدره حتى ظنّ أنّ به سحراً، فأفتاه بعض أهل العلم أن ذلك ليس ظهاراً، فعاد إلى زوجته ومسّها دون أن يكفّر.
«