محاضرات مهرجان الشيخ بيوض - مادة خام
الجزء ١ · صفحة ١٤وما كانت خرجاته تلك على المشهور في مذهبه لتمرّ بسلام في أوساط شانئيه ومناهضيه من أولائك الجامدين على الموروث المذهبي، فنعتوه بما لا يليق، وشنعوا عليه حتى أخرجوه من المذهب، وأوشوا به السلطات الاستعمارية وبعدها الجزائرية، وضايقوه حتى كادوا يغتالونه مرات عديدة، وكان أشدّ تلك الضروب من الأذى «إعلان البراءة منه في أغلب مساجد ميزاب في أوائل الثلاثينات، من قبل الهيئات الدينية المشرفة عليها، وهي لا تُطبّق إلاّ على المجاهرين باقتراف الكبائر من الذنوب، ومن آثارها عدم التعامل مع المحكوم عليه بها أو مجالسته أو التحادث معه، قبل أن يعلن توبته في المساجد التي أعلنت فيها البراءة منه».(1) ولكنه، رغم تلك الابتلاءات، ظل صامداً شامخاً كالطود العظيم، صابراً أمام التيار السابح ضده وضدّ ثوابت الأمّة ووحدتها، حتى استطاع كسب خصوم ناصبوه العداء إلى صفّه، وتحجّم آخرون، وفتح الله عليه ببراعم فتية أنشأها في معهد الحياة، استعان بها على تمكين الحق في النفوس، وتجديد الدين في عقول اعتزلت فكادت أن تنعزل لولا أن الله سلّم.
ومن ألطف ما صنع الشيخ ومناصروه، ما حدثني به عديله وتلميذه، فضيلة الشيخ بالحاج سعيد شريفي، من أن بعض الإباضية الجامدين من وادي ميزاب كانوا إذا سمعوا اسم الإمام عليّ (كرّم الله وجهه) لم يُرضّوا عنه، فضلاً عن أن يتخذوه إماماً، ولكن الشيخ بيوض ومدرسته أعادت له مكانته في القلوب، وحصرت الخلاف فيه حول قضية التحكيم التي قبل بها مع معاوية (رضي الله عنه)، وكان الأولى أن لا يفعل لأنه الإمام الذي بايعه المسلمون خليفة بحق واستحقاق.
(1) 10) د. محمد لعساكر: «جهاد الإمام الشيخ بيوض بين الإنصاف والإجحاف»، الملتقى الأول لفكر الإمام، ص 52 و 54.