معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) مجموعة باحثين

معجم أعلام الإباضية (قسم المشرق) المعتمد

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

و جاءت فكرة التحكيم التي رفضتها طائفة من جند علي رفضا قاطعا وقالوا: "لا حكم إلا لله"، وهي الطائفة التي كانت تلح على مواصلة القتال، وهي مدربة على ذلك، تعرف حقيقة الشاميين، في جاهليتهم قبل إسلامهم، وحقيقة الأمويين الذين هم من أهل العراق أعداء أهل الشام، أو هم أقرب إلى العراق منهم إلى بلاد الشام. ولا التفات إلى كذبة أن الذين قالوا: "لاحكم إلا لله" هم الذين حرضوا عليا على توقيف القتال ووقفوا ضده، فإنها لا تثبت أمام النقد والتمحيص للروايات المختلفة المتضاربة في هذا المجال.

إن عبد الله بن وهب رفض التحكيم جملة وتفصيلا، هو وجماعة كبير من أصحاب علي كرم الله وجهه وأنكروها، فأطلق عليهم اسم "المحكمة" لقولهم: "لا حكم إلا لله" رفضوا التحكيم قبل أن يقع، ورفضوه قبل أن تظهر نتائجه الجائرة التي زحزحت عليا من الإمامة، وأثبتت معاوية فيها.

هكذا انتبذ هؤلاء المحكمة مكانا غير بعيد من الكوفة، هو منطقة حروراء، فاستقروا بها وفكروا في إعلان إمامة يحيون بها خلافة الراشدين، فتداولوا أمرهم بينهم، وعرضوا الإمامة على علمائهم، وكلهم راغبون عنها مشفقون من مسؤولياتها، وهنا يبرز عبد الله بن وهب لينقذ الموقف ويتولاها قائلا: "فوالله ما أخذتها رغبة في الدنيا، ولا أدعها فرقا من الموت" فبايعوه بالإمامة، ثم أرادوه في الكلام فقال: "و ما أنا والرأي الفطير، والكلام القضيب، دعوا الرأي يغب، فإن غبوبه يكشف لكم عن محضه".

و من هذه الرواية التي ذكرها الجاحظ، نلاحظ ترويه وحسن تدبيره من أول وهلة، وتبرز كفاءته عندما نعلم أن المحكمة بايعوا في البداية معد بن مالك الإيادي، ثم عدلوا عنه إلى عبد الله بن وهب لما سمعوه يقول: "سلام على من بايع الله شاريا"، وقالوا له: "خالفت لأنك برئت من القعدة". وهنا يبرز الإتجاهان الكبيران في فكر المحكمة، وهما الخروج والثورة، أو القعود والتروي.

٢٢٦ / ٤٤٣