الرياضة بين المماسة والاعتقاد لجابر ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٩1. وسطية الإسلام، والبعد المقاصدي: فالإسلام علمنا أنه لا افراط ولا تفريط، فلا نقول بـ "نعم" كلية وبـ "لا" مطلقا، ولكن نستحضر مقاصد الشرع في موقفنا، فـ" الإسلام نسخة من الإنسان. ففي الإسلام تمامًا ما في الإنسان .. فيه تلك الومضة الإلهية، وفيه تعاليم عن الواقع والظلال. ( … ) والإسلام بدون إنسان يطبقه يصعب فهمه، وقد لا يكون له وجود بالمعنى الصحيح"(1).
2. الرياضة وسيلة لا غاية: فالرسول صلى عليه وسلم لما قال: "علموا أبناؤكم السباحة والرماية وركوب الخيل" لم يكن يدعو إليها كغاية في حد ذاتها وإنما لما يمكن أن تفيد المجتمع من جرائها، لأن "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير"، فعندمنا أوصانا "أن نعلم أبناءنا ركوب الخيل والسباحة والرماية، كانت الخيل –في زمن الرسالة- هي إحدى الأسلحة المهمة ليركبها الداعون إلى الله المجاهدون في سبيله. وحين أمرنا أن نعلم أبناءنا السباحة فهذا بناء للجسم والقوة يفيد الشاب ويعلمه مواجهة الصعاب، وحين أمرنا أن نعلم أبناءنا الرماية فذلك لأن تحديد الهدف ماديا أو معنويا ومعرفة الوصول إليه أمر مطلوب من كل شاب. وكل هذه ألعاب ولكنها ليست لهوا، إنها ألعاب ممتعة ويمكن أن تستمر مع الإنسان بعد أن يكلف"(2). وأي انحراف بالوسيلة وإنزالها منزلة الغاية ستودي بالإنسان وتؤدي به إلى مزالق لن يتحكم فيها أبدا، ومن هذه المزالق اختلال المعايير التي تحدثنا عنها آنفا.
3. نعم، ولكن دون فصلها عن القيم: إن كرة القدم كغيرها من الرياضات تضع أفكار الإنسان وما يؤمن به في المحك؛ فهو ليس ملَكا دون عواطف وغرائز ولا شيطانا بمعاص لا متناهية وإنما مراوح بين المرتبتين، لنفسيته إقبال وإدبار، فهو أقرب إلى الملائكة بل وأفضل منها ما استحضر القيم التي سطرها له الدين، من صدق، وتواضع، وإحسان، .. الخ، لهذا نجد (برتراند رسل) ينادي بأن الإنسانية "في وقتها الحاضر أحوج منها في الماضي إلى بث فكرة المغامرات التعاونية التي يكون فيها "العدو" هو الطبيعة المادية بدلا من المغامرات التنافسية التي يكون فيها بشر غالبون ومغلوبون"(3)، خوفا على القيم أن تغتال تحت اندفاع العواطف البشرية فتؤدي إلى زيادة الأحقاد والضغينة بين المتنافسين "البشر"، -رغم أننا لا نتفق معه في اعتبار الطبيعة عدوا للإنسان، وهو بهذا يعبر عن رؤيته المادية الالحادية- وكأنه يشرح لنا لماذا استخدم الرسول صلى الله عليه وسلم "السباحة" و"الرماية" و"ركوب الخيل" كمثال على التنافس مع الطبيعة وليس بين البشر.
(1) - الإسلام بين الشرق والغرب، علي عزت بيجوفيتش.
(2) - خواطر الشيخ الشعراوي: سورة الأنعام: الآية 32. ص 3589.
(3) - في التربية، برتراند رسل، ص: 96.