الشباب بين الواقع والطموح
الجزء ١ · صفحة ٢٧عبادة، وأطلاح سهر، موصول كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، قد أكلت الأرض جباههم، وأيديهم وركبهم من طول السجود، مصفرة ألوانهم، ناحلة أجسامهم من كثرة القيام وطول الصيام، لقد نظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن إذا مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقاً إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، مستقلون ذلك في جنب الله، مستنجزون لوعد الله، حتى إذا رأوا سهام العدو قد فوِّقت، ورماحه قد انتُضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت وأبرقت، استهانوا وعيد الكتيبة لوعد الله، فلقوا شبا الأسنة، وشائك السهام، وحد السيوف بوجوههم، وصدورهم ونحورهم، ومضى الشاب هنالك قدماً حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه فخر صريعاً في الثرى ورملت محاسن وجهه بالدماء، وأسرعت إليه سباع الأرض وانحط إليه طير السماء، فكم من عين في منقار طائر طالما بكى صاحبه في جوف الليل من خشية الله، وكم من يد أبينت عن ساعدها طالما اعتمد عليها صاحبها في سجوده لله، وكم من خَدٍّ عتيق قد فلق بعمد الحديد، فرحم الله تلك الأبدان وأدخل أرواحهم الجنان».
تصوروا وضع الشباب الذي رباه أبو عبيدة على الاستقامة والبر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتضحية في سبيل الله، والحرص على امتثال أمر الله، وكما قيل قديماً: «لا يُصْلِح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها»(1) فالاستسماك إذاً بهذا النهج القويم، وتربية الشباب عليه وتوجيههم نحوه هو السبيل الأمثل لاستعادة أمجاد هذه الأمة، وجعلها أمة قوية، أمة ذات شأن بين الأمم، أمة ترهب الأمم قوتها، وترهب الأمم سلطانها وتأثيرها، هذا هو الطريق لإعادة أمجاد هذه الأمة لا تربية الشباب على الفساد وعدم الاستقامة.
دعاء
(1) لعل هذه المقولة قالها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حسب ما ورد في كتب التاريخ.