الشباب بين الواقع والطموح أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الشباب بين الواقع والطموح

الجزء ١ · صفحة ٢٦

ودخل أبي حمزة المدينة المنورة، وبث في الناس دعوة الخير، ونعى أهل المدينة ما صاروا إليه، وكان مما قاله لهم في بعض خطبه التي وجهها إليهم: «يا أهل المدينة أولكم خير أول، وآخركم شر آخر، يا أبناء المهاجرين والأنصار نِعْمَ ما ورَّثَكم آباؤكم لو حافظتم عليه، وبئس ما تورثونه أبنائكم إن تمسكوا به». وذكرهم بأن بلادهم آوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان مما يشيعه أهل المدينة في أبي حمزة وأصحابه أن هؤلاء شباب أغمار(1) سفيهة أحلامهم، فلما شاعت هذه المقالة، وبلغت أبا حمزة -رحمه الله- جاء إلى منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ووضع وجهه حيثما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضع قدميه وبكى طويلاً حتى خضب لحيته بالدموع، ثم قال: «كم من قدم عاصية لله، منتهكة لحرماته، متسلطة على عباده، حاكمة بغير ما أنزل، وطئت موضع قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي» ثم بعد ذلك خطب خطبته(2) التي بيَّن فيها سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسيرة خلفاءه وما انتهى إليه الأمر من بعد، ثم قال لأهل المدينة: «يا أهل المدينة تعيرونني بأصحابي، تزعمون أنهم شباب وهل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شباباً؟ نعم شباب والله مكتهلون في شبابهم غضيضة عن الحرام أعينهم، بطيئة عن الشر أقدامهم، أنضاء(3)

(1) الاغتمار: الاغتماس، والغمر: مُنهمَك الباطل، ومرتكم الهول (غمرة الحرب)، وفلان غمر فلان: أي علاه بفضله، ودخل في غمار الناس: أي مجتمعهم، والمغامر: الذي يرمي بنفسه في غمرة من الأمر، والغمر من لم يجرب الأمور وجمعه أغمار، ودار غامرة: خراب. (ترتيب كتاب العين، مرجع سابق، ص‍

(2) من أراد الخطبة كاملة فليرجع إلى (العقود الفضية في أصول الإباضية) للشيخ سالم بن حمد الحارثي، ص‍-208

(3) نضو: نضا ينضو، نضو السيف من غُمده: سله، نضا الثوب عند نزعه وخلعه، ونضو ونضيّا الفرس الخيل: تقدمها، والنضو: جمع (أنضاء) السهم فسد من كثرة ما رُمي به. (المنجد، ط21، ص‍، باب (نضو) فكأن المعنى أنهم ينسلخون من الدنيا كانسلاخ السيف من غمده، ويتركون ملذاتها ويتجهون إلى ما فيه الخير وهي الدار الآخرة.

٢٦ / ٢٩