الشباب بين الواقع والطموح
الجزء ١ · صفحة ٨وكذلك لا يمكن العجب في قوله: «ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام» لأنه من المعلوم أن الأديان كلها ليس فيها ما في الإسلام من عدالة تسوي بين القوي والضعيف والبغيض والحبيب والبعيد والقريب، إذ الإسلام وحده هو الذي أنزل موازين القسط التي تصلح للإنسانية بأسرها وليس في أي نظام ما في الإسلام من كمال العدالة الاجتماعية والعدالة التشريعية التي لا تساويها أية عدالة أخرى، وإنما العجب في قوله: «ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا» قبل أن يذكر الآخرة؛ فلو ذكر الآخرة وحدها لما كان في ذلك عجب، لأن ربعي بن عامر - رضي الله عنه - كان قارئاً لكتاب الله سبحانه وقد اطلع فيه على قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ﴾ (1) وكذلك اطلع على قوله - عز وجل -: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ (2) فلو ذكر الآخرة وحدها لما كان في ذلك عجب، كما أنه أيضاً كان عارفاً بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سمع مرة منه عليه أفضل الصلاة والسلام ما سمع، وسمع من أصحابه ما سمع، وكان - صلى الله عليه وسلم - مما قاله في تعريف قيمة الجنة: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»(3) فليس في قوله من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة عجب ولكن العجب أنه بدأ بالدنيا أولاً فقال: «من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة» فأي سعة كان عليها العرب الذين خرجوا من جزيرة العرب التي كانت قاحلة جرداء؟ وأي ضيق مع الفرس الذين كانوا يتمتعون بما يتمتعون به من مظاهر الطبيعة الخلابة في بلادهم، ومن مظاهر الحضارة التي صنعوها بأنفسهم؟ وكانت هنالك القصور الشامخة وكانت هنالك الحدائق الغناء وكانت
(1) آل عمران/ 133
(2) السجدة/ 17
(3) رواه البخاري، وأحمد بن حنبل، وابن عدي في الكامل ضعفاء الرجال، والسنن الكبرى للبيهقي، وتاريخ جرجان للبيهقي.