العمل الجماعي، والاستثمار في الإنسان لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ١العمل الجماعي، والاستثمار في الإنسان
ابن ادريسو مصطفى
حري بنا أن ندعو أمتنا في خطاب مباشر ونقول للمسلمين:
احملوا همَّ رفعِ راية الإسلام خفاقةً في المعمورة، وانصروا دين الله في الأرض، واجتهدوا في إصلاح أحوالكم وتحسين أوضاعكم، واعملوا متحدين متآلفين، في إطار جماعي منظم، ذلك لأن العمل الجماعيَ في الإسلام ضرورةٌ وفريضةٌ؛ ضرورةٌ بشرية، وفريضةٌ شرعية؛ فهو ضرورة بشرية لأن الإنسان قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، وهو فريضة شرعية لأن الله ورسوله أمرانا بالجماعة والاتحاد فقال عز مِن قائل: إِنَّمَا الْمُومِنُونَ إِخْوَةٌ، وقال عز وجل أيضا: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ، والقاعدة الشرعية تُقرر كذلك: "أن ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب"، وإقامةُ مجتمع إسلامي تحكمه عقيدةُ الإسلام وشريعتُه، أمر واجب، ولا سبيل إلى تحقيق هذا الواجب إلا بمجتمع منظم وأمة مطيعة.
ومما يؤكد على حتمية وحدة صفنا، والعمل في إطار جماعي منظم أننا إذا نظرنا إلى القوى المُناوئة للإسلام -على اختلاف أسمائهم وأهدافهم ووسائلهم- وجدناهم يعملون بجد ونشاط، وفي صورة جماعاتٍ وتكتُّلات، وفي هذا تشير الآية من سورة الأنفال: وَالذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمُ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ اِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الاَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ. فستحدث الفتْنة والفساد، لاتِّحاد الكفار وتفرُّق شوكة المسلمين، ولتحديد الكفار لأولوياتهم وقيمهم، وتذبذبِ المسلمين في أمورهم العامة، ودخولِهم في صراعات هامشية لأبسط الأمور وأتفهها.
إن مهمة الإنسان في الحياة كبيرةٌ لمَن يُقدِّرها حقَّ قدرِها؛ فهي مهمة الخلافةِ في الأرض وعمارتِها، وهى مسئولية ضخمة صوَّر القرآن ضخامتَها وثِقلَها حين قال: اِنَّا عَرَضْنَا الاَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَّحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الاِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً. وخاطب اللهُ خاتم الرسل بقوله: إنَّا سَنُلْقِي عليكَ قولًا ثَقِيلًا.
فمهمة الإنسانِ المسلم أعظمُ وأضخم من مهمة أيِّ إنسان آخر، لأنه وريثُ تركات جميع الأنبياء والرسل، والوكيلُ الحصريُ بتنفيذ رسالة الإسلام، وهدايةِ العالم إليها، فلذلك لا يحق لك أيها الأخ الكريم أن تنزوي مع أمورك الخاصة وتتخلى عن واجبك الاجتماعي، أو تعملَ فرديا في ميدان معين وتعزفَ عن أمتك، فهذا من الباطل والضلال في السلوك والعقيدة والأخلاق، فكن منه أخي على حذر، وتجنب الأنانيةَ وحبَّ الذات وعدمَ الشعور بالآخرين، لأن الطبع السيءَ يتناقض مع التكليف، يقول تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى)، ويقول أيضا في آية قاصمةٍ للظهر وشديدةٍ على الفردانين الأنانيين المحبين لأنفسهم دون غيرهم من المسلمين: قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ