العمل الجماعي، والاستثمار في الإنسان لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٢وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا، وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا، وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ.
ولقد كان الجيلُ الأول من الصحابة -رضوان الله عليهم- على فهم عميق بمقاصد الإسلام ومراميه في إصلاح البشر، فكانت أعمالهُم تؤدى في إطار جماعي منظم، فهذا الخليفة الراشد عثمان بن عفان ض لما خشي تفرقَ المسلمين واختلافَهم في قراءات القرآن، عزم على جمعهم على مصحف واحد، وشكل لهذا الأمر لجنةً علمية برئاسة الصحابي الجليل زيدِ بنِ ثابت ض، وقال لهم: إذا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ.
وهؤلاء ثلة من سلفنا الصالح عبر التاريخ الإباضي أنجزوا موسوعاتٍ علمية جماعية، كجماعة غار أمجماج في جزيرة جربة بتونس الذين ألفوا ديوان الأشياخ في اثني عشر جزءا، وجماعة العزابةِ الثمانيةِ الذين ألفوا ديوان العزابة في خمسة وعشرين كتابًا وذلك في واد ريغ بالجنوب الشرقي للجزائر.
إن مثل هذه الأعمالِ تبين تقصيرَ المسلمين وبعدَهم عن الأعمال الجماعية، حيث تجتمع الطاقات وتُحشد الجهود، ويستفيد كل واحد من الآخر، والسبب في هذا أنه لم يترسخ عندنا مفهوم العمل الجماعي الذي ينبني على الجهد المشترك في إخراج الأعمال، وعلى الحوار مع الآخر، وحسن الاستماع إليه.
فما أحوجنا أن نوطن أنفسنا على حب العمل الجماعي، والاستفادة ممن حولنا في أعمالنا وقراراتِنا، ومن واجبنا أن نغرس في أولادنا هذا الخلق النبيل، وهذه القيمة الحضارية العميقة، وأن نسعى جادين إلى إرشاد أمتنا إلى انتهاج الأسلوب التعاوني في دراسة القضايا العالقة، وإشراك المختصين في معالجة المسائلِ والنوازل وفق معطيات واقعية وأساليبَ حضاريةٍ معاصرة، متجنِبين العفويةَ في التسيير، واستخدامَ الطرقِ الكلاسكية القديمة، مع توفر الجديد مما أنعم الله به على عباده.
أدعوكم إخواني إلى تفعيل أعضاء مجتمعكم، وإشراكهم في فرق العمل الدعوي، وإخراجهم من سباتهم الشتوي، ومن خجلهم المعيق لهم من الاندماج العملي في الأمة، وألح عليكم سادتي في ترشيدهم ليكونوا عناصرَ فعالةٍ تحمل رسالةً في الحياة، وتسعى لتحقيق أهداف الأمة المشتركة، ولنا في رسول الله ص القدوة الحسنة، حيث انتهج أسلوبَ تفعيل الطاقات الشبانيةِ من حوله في أكثر من موطن، وفوض المسؤوليات إلى صحابته الكرام ض ليساعدوه في بناء المجتمع المسلم الفتي، فمثلا في غزو الأحزاب وزع رسول الله ص الأعمال على الجميع، فأعطى لكل رجل حفر مسافة أربعين ذراعا، إذا أنهاها أخذ غيرَها، وهكذا، وبذلك يظَل الجميعُ في عملٍ دءوب، حتى يتم العمل ُعلى أكمل وجه.
فمؤسساتنا وجمعياتُنا في حاجة ماسة إلى تحريك أفراد المجتمع، وإشراكهم في أعمالها، وتفويض