العمل الجماعي، والاستثمار في الإنسان لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٣المسؤوليات إلى المنتسبين إليها تخفيفا للثقل عن المسيرين في المؤسسات، وتقليلا للمتفرجين السلبيين الذين يستهلكون ولا ينتجون، ويتفرجون ولا يجِدون.
ومن أوكد المسلمات في العمل الجماعي المنظم أن نسيِّر مشاريعَنا على نظام الشورى في اتخاذ القرارات؛ فيما ليس فيه نصٌ ثابت وصريح، وفيما له طبيعة الأمرِ العام الذي يَهُمُّ جميعَ الناس أو جُمهورَهم، استنادا لقوله تعالى في سورة الشورى: وأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، وقولِه في سورة آل عمران: وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
ومن الضرورات الملزمة لعصرنا التخطيطُ الدقيقُ لأعمالنا ومشاريعنا ضمانا للنجاح الاستراتيجي، ومعنى التخطيط: "ألاَّ ندَعَ الأمر للظروف الآنية والمستجداتِ الحديثة تُسيِّرنا سيْرًا عشوائيًّا اعتباطيًّا، وتدفعنا إلى السير في غير الطريق الذي نرغبه"، وإنما يجب علينا أن نسير في خط واضحِ المعالم، مُحدَّدِ المراحل، بيِّنِ الأهداف، معلومِ الوسائل، اقتداء بسيدنا يوسف عليه السلام الذي طلب منصبا إداريا من مالك مصر، مع وضوح الخطة الاقتصادية التموينية لديه، وعلمه بما يجب فعلُه وما ينبغي تجنُبه، فقال للحاكم: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الاَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، فعليم بمعنى له دراية بما يتخذه من إجراءات لحل الإشكال الاقتصادي القائم أنذاك.
وتعتبر مشاركةُ المسؤول كذلك مع رعيته في أعمالهم التطوعية سببا لاستخراج أقصى طاقاتهم، وبذل أعظمِ جهدهم، نتيجةَ شعورهم بوجود قضية مشتركة بينهم، ذلك أن النبي الكريم ص ينزل بنفسه لحفر الخندق مع المسلمين، ويضرب المِعوَل بنفسه ويحمل التراب بنفسه، وهكذا كن أيها المسؤول في مجلسك العرفي معينا لمن هم تحت مسؤوليتك، ومتابعا عن كثب لمنجزاتِهم الميدانية؛ ومصححا لها، ومحفزا على حسنها، ومستمعا لانشغالاتهم واقتراحاتهم.
وإن من تمام استغلال طاقاتنا الجماعية تغييرَ ذهنيتنا من الإنفاق على البنايات والهياكل الضخمة إلى ذهنية الاستثمار في الإنسان المسير للمؤسسات، وذلك بعقد تكوينات متعددة للمسيرين، وتنظيم الدورات العلمية، وتعيين متفرغ في كل مجلس إدارة مؤسسة، بغية تحقيق السير القوي لمشاريعنا، وتهيئة الجو الممتع للعاملين المجدين، وتجنبا لإيقاع الفاعلين في الإرهاق والإحساس بالملل جراء اكتظاظ المسؤوليات عليهم، وتعقد الحياة المعاصرة في وجههم، وبهذا الاستثمار الإنساني في توظيف عضو واحد في كل مؤسسة تطوعية نضمن الاتصالَ الفعال بين الأعضاء، والمتابعة الميدانية للأعمال، والتنسيق مع الفاعلين الآخرين في المجتمع، وإنجاز الإحصاءات، وبمثل هذا الاستثمار الإيجابي نقطف ثمار العمل الجماعي المنظم في ظرف قصير بإذن الله، ونوسعُ مداركَنا وآفاق طموحاتنا المستقبلية إلى ما فيه صلاح أمتنا الإسلامية ومجتمعنا المزابي، ونكونُ كما أمرنا ربُنا تبارك وتعالى: وَكَذَالِكَ جَعَلْنَاكُمُ أُمَّةً وَسَطًا