فقه البنيان لعبد الله العيسري
الجزء ١ · صفحة ٦القضية الثانية بعد بيان تعريف البنيان وحكمه : أين تبني؟ وهذه القضية لها أهميتها، وذلك لأن المقصد من البناء أن يجد الإنسان لنفسه مأمناً ومستقراً يأمن فيه ويحس فيه بالراحة والطمأنينة؛ والهدي النبوي يدلنا على أنه ينبغي للإنسان قدر استطاعته أن يبني في دويرة أهله وذلك لأن الإنسان أكثر ما يحس بالطمأنينة إذا كان قريباً من أهله فهم الذين يحمونه ويأوونه ويعينونه ويكونون معه في المنشط والمكره في أفراحه وأتراحه. وفي هذه القضية يقول ( خالد محمد عزب ) في كتاب ( تخطيط وعمارة المدن الإسلامية ): ( وكان للأصول السكانية والقبلية شأنٌ كبير في توزيع السكان في أحياء المدينة بحيث إن كل حيٍّ كانت تقطنه أسرةٌ أو قبيلة، وكانت مسؤولية توزيع الخطط في يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره الحاكم، وقد كان منهجه في ذلك يهدف إلى تجميع كل قبيلة في خطة خاصة بها مع ترك حرية تقسيم الخطط للقبيلة وفقاً لظروفها وإمكاناتها في الإنشاء والتعمير ومدى الحاجة إلى ذلك ). والمتأمل يلاحظ أنه حينما يكون في المكان أخلاط سكانية غير متجانسة تكثر المشكلات، أما حينما يوجد التجانس تجد أن معدل المشكلات ينخفض، وهذه حقيقة أثبتها علماء الاجتماع بحيث صارت لا تقبل شكاً ولا جدالاً، ومما يُذكر أن علماء الاجتماع المسلمين هم من أول من تنبه إلى هذه القضية؛ فقضية تقسيم الأحياء السكانية حسب الانتماء إلى الجنس وإلى الطبقة مِن أول من تنبه لها ( ابن أبي الربيع ) فاعتبر أنه ينبغي حينما تُنشأ المدينة أن يُراعى هذا الجانب، ونص عبارته : ( أنه لا ينبغي أن يكون في المكان الواحد أخلاطٌ سكانية )، فهذا هو الأصل. ولكن إذا كان الساكن في مدينة ومن شأن المدن أن تكون مُختلطة، فماذا يفعل المرء؟ في هذه الحالة ينبغي أن يبحث عن الجار الصالح أو أن يتجمع كل مجموعة ممن يتعارفون في شراء مجموعة أراضين متقاربة حتى يبنوا فيها ويجدوا فيها مستقرهم.