النظافة مسؤولية شرعية لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٢أليس الحج مرآةً عاكسةً لواقعنا اليومي، ألم يجعل الله الحجَّ معيارا لقياس مدى اهتمامنا بالنظافة في حياتنا اليومية، فإذا أصلح كلُّ مسلم واقعَه، فإن الصورة السيئة بإذن الله ستتغير، وسيحسِّنُ الله حالَنا إلى الأفضل والأمثل، ونكونُ على سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ.
لماذا تخلينا عن أداء الواجب؟ وتركنا العمل بسنة نبينا محمد ص، مع ادعائنا جميعا أننا نحب رسولَ الله ص وسنتَه، فواقع المسلمين بداية من المظاهر التي تشاهد أمام بيوتهم ومنازلهم تخالف تماما ما يقره نبيُّهم محمدٌ ص، وذلك حينما يؤكد في أكثر من حديث: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". فالدين كما يقره الرسولُ ص كلُّه متكامل، فلا يحق أن نتخلى عن الكلمة الباقية، والكلمة الطيبة التي هي: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ص، كما لا يحق لنا البتة أن نتغاضى عن أدنى واجبات الإيمان، فنتركَ العملَ بإماطة الأذى عن الطريق، الذي يندرج ضمن مستكمِلات الإيمان بالله تعالى، وليس خارجاً عنه البتة، بدليل: الإيمان درجات، فيها الأعلى والأدنى، وإماطة الأذى جزء من الكل، ويؤكده حديث أبي هريرة ض الذي يصف المسلم، فيقول عنه النبي ص: "يُميط الأذى عن الطريق صدقة".
لماذا اكتفى الواحد منا بتنظيف مظهره الخاص، ولباسه وجسده، واهتمت زوجته بتنظيف البيت مرة أو مرتين في اليوم، ولم يستطيع هو أن ينظف محيطه، مرة في الشهر، أو مرتين في السنة، أليس هذا عيبٌ فينا، وقلَّةٌ للشهامة والحرقة على أوامر الله تعالى المستفيضة في الموضوع، وابتعادٌ عن الفطرة السليمة النقية، ألم يرغِّبْنا رسولُنا محمد ص في النظافة وصحة الأجسام، واعتنى بها عناية فائقة، واعتبرها من صميم رسالته، فشرَّع الغسل لكل صلاة، وكلَّف المسلم أن يغسل جسمَه كلَّه غسلاً جيدًا في أحيان كثيرة كغسل الجنابة، وغسل الجمعة، وغسل فمه بالسواك، وإصلاح شعره، وحلق عانته، وتقليم أظفاره، وقص شاربه، ونتف إبطه.
ألم يُشِد نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وسلم - بتنظيف حدائقنا الموالية لبيوتنا فقال: نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ؟
وقد يقول قائل أن هذا الحديث ضعيف السند، وهو كذلك، إلا أن معناه العامَ صحيحٌ، ويتناسب مع كليات الدين، ومع نصوص أخرى أكثر وثوقا، مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ (سورة البقرة)، وفي سورة التوبة أشار الله إلى العناية بالمساجد فذكر لنا صفات هؤلاء الرجال فقال تعالى: فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.
أكيد أن وضعنا الحالي يؤرِّقُنا ويقلقُنا؟ وأنه وإن اعتدنا عليه وألفناه واستسغناه طوعا وكرها فإن ضمائرنا الحيةَ، تؤنِّبنا بين الحين والآخر، وإن مشاهدة الجمال الطبيعي دون معكرات لصفوه هدفُ كلِّ