دور الأب في استقرار الأسرة محمد بن قاسم ناصر بوحجام

دور الأب في استقرار الأسرة

الجزء ١ · صفحة ١٠

9 – من التّحدّيات الكبيرة (هي في الوقت نفسه مهام كبيرة) التي تنتظر الأسرة المسلمة تهيئة الطّفل لمواجهة المشكلات التي ستستقبله في مراحل نموّه؛ طبقًا وتبعًا للتّطوّرات الكبيرة التي يشهدها العالم، ونتيجة للتّغيّرات العميقة التي يدفع إليها تسارع وتيرة الحياة والتّقدّم في كافّة الأصعدة والمستويات …

10 – ممّا تعاني منه الأسرة وممّا يتحدّاها النّقصُ في إشباع حاجات الطّفل العاطفيّة والنّفسيّة. إذ يظلّ – في كثير من الأحيان- متعطّشًا إلى الحبّ والعطف والحنان والشّعور بالأمان والاستقرار والطّمأنينة … التي تكون مفقودة في كثير من الأسر.

11 – فتور العلاقات بين أفراد الأسرة.

12 – تأثير الأجهزة الإلكترونيّة على الحياة الاجتماعيّة داخل الأسرة. وجودُ أجهزة الاتّصالات الحديثة بكثرة، وتوافرُها في أيدي الأطفال، واستعمالُها بشكل مستمرّ يعدّ تحدّيًا كبيرًا للأسرة بخاصّة والمجتمع بعامّة، إذ أنّ تنوّعها واختلافها في الأبعاد والاتّجاهات والأهداف … يبعث على الحيرة في كيفيّة الاستفادة منها. وكيفيّة التّحكّم فيها؛ بما لا يسبّب خللا في عمليّات التّنشئة الاجتماعيّة والتّربية الأسريّة المناسبة لمقوّماتها وقيمها.

13 – " الحواسيب تعمل على إعادة تشكيل حياة الأطفال بطرق عميقة غير متوقّعة. ولعلّ من أبرز أضراره المتوقّعة عندما يترك الأطفال مع الحواسيب دون رقيب، ممّا يؤثّر عليهم بآثار سلبيّة، باتت تظهر عليهم كـ: الضّغط النّفسي والسّمنة والعزلة الاجتماعيّة وإجهاد البصر، وعلى المدى البعيد ستتسبّب في التّأثير على النّموّ الجسمي والانفعالي والعقلي، إنّ التّكنولوجيا الحديثة عزلت الأطفال عن حاجاتهم الاجتماعيّة، من ممارسة الأنشطة مثل: الألعاب الرّياضيّة والطّلاقة الشّفويّة لتنمية المحادثة والحوار، وممارسة التّجارب المباشرة مع العالم الطّبيعي؛ كونها لازمة لنموّهم الصّحّي. "(1)

14 – هناك تحدّيات أوجدها مجتمع المعرفة، الذي يتميّز أو يعجّ بمستجدّاته التي لا تنتهي ولا تتوقّف، ما دام العقل البشري يبدع وينتج، وما دام تطوّر الحياة وتغيّرها لا يتوقّفان، ويسيران بسرعة، وتتدفّق مطالبهما ونتائجهما بقوّة، بل إنّ مطالب التّطوّر تنشد وسائل متجدّدة، تتناسب مع ما ينتجه تغيّر الأحوال والمظاهر والأشكال؛ ممّا يدعو إلى مسايرتها شكلاً ومضمونًا، ورؤى وتخطيطًا. والعمل كلّه يدور حول الفرد التي يتولّى القيام بما يحقّق الطّموح ويلبّي الحاجة. إذن يجب الاعتناء به منذ الصّغر، وهو طفل يدرج في البيت، ينشأ في الأسرة، هنا نسجّل مسؤوليّة أولياء الأمور وفي مقدّمتهم الأب الذي يناط به العمل الكبير لتوفير هذه المطالب، التي بدورها تسهم في استقرار الأسرة، حين تؤدّي وظيفتها أحسن الأداء. بهذا يهنأ المجتمع ويستقرّ؛ إذ يهيّء له الأب لَبِناتِه الأولى تهيئة جيّدة، إنّهم الأطفال رجال الغد ومستقبل الأمّة، وامتداد وجودها …

تقول عزيزة الطّائي: " إنّنا أمام طموحات وتحدّيات أوجدتها حاجات ومتطلّبات مجتمع المعرفة. فهو مجتمع يتميّز بلغته ورموزه ومعانيه، وبوسائطه وأدواته، وما تنفرد به من اللّغة الرّقميّة والمعلومات الشّبكيّة، الأمر الذي يطرح قضايا تمكين أطفالنا من الاقتدار اللّغوي والمعرفي الذي يعتمد على لغة العصر، وتمثّلها في نسق لغتنا وثقافتنا العربيّة. ولكي نواجه تحديّات العصر بشجاعة، لابدّ لنا أن نوفّر لأنفسنا ونوقظ الضّمير العربي والعقل العربي أمام تعاظم لغتنا واقتدارها الاستيعابيّة للحضارة ورموزها وأدواتها"(2)

أوّل من يوفّر ذلك، ويوقظ الضّمير، ويحرّك العجلة، ويستبق هذه التّحديّات، ويحتاط للمستقبل … هو الأب الذي يحضن الطّفل في الأسرة ويعلّمه ويربّيه ويعدّه لخدمة مجتمعه؛ بما يحصل عليه من معارف ووسائل تُقدِرُه على العمل الكبير، وبه وبطموحه يعيش المجتمع في استقرار وأمن وأمان.

هذه كلّها تحديّات من إفرازات الحياة الجديدة، وهي أيضًا من نتائج التّطوّر والمدنيّة والتّحديث، التي لم تفهم حقّ الفهم، فنتجت عنها ممارسات خاطئة في التّربية، تتحمّل الأسرة تبعاتها، وبخاصّة الأب القوّام على قيادة الأسرة، الذي قد يسيء تقدير مسؤوليّته فيها، فيخطئ طريق البناء الصّحيح، والإعداد السّليم(3)

" يتّضح من ذلك كلّه انعكاس تلك التّحدّيات على الخطاب الثّقافي من خلال ما توضّحه النّقاط الآتية: تناقض نماذج الفكر المطروح للإصلاح التّربوي والتّعليمي، حيث يتربّع على السّاحة العربيّة نماذج فكر متنوّعة، كمشروعات للإصلاح والتّعامل مع تلك التّحدّيات التي يشهدها الواقع العالمي المعاصر. وتأتي تلك المشروعات والأطروحات كنتيجة للتّحوّلات الجذريّة، التي يتعرّض لها المجتمع الإنساني والثّورات العلميّة والصّناعيّة من جهة، وعلاقة بناء الإنسان وتنشئته بجذور وأعراف وتقاليد وموروث اجتماعي؛ وتتمثّل في

(1) - المرجع السّابق، ص: 42.

(2) - المرجع نفسه.

(3) - ينظر موضوع التّحدّيات التي تواجه الأسرة العربيّة، المرجع السّابق، 85 – 94.

١٠ / ٣٥