دور الأب في استقرار الأسرة
الجزء ١ · صفحة ٢٨النّزوات، حين تعرض في حدود مرسومة: ﴿الرِّجالُ قَوَّامون عَلَى النِّساءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ (النّساء: 34) "(1)
بيّن سيّد قطب مبرّرات هذا التّفضيل، الذي بموجبه أسند الله - عز وجل - القوامة في الأسرة للرّجل: " … وكذلك زوّد الرّجل - فيما زوّده به من الخصائص- بالخشونة والصّلابة وبطء الانفعال والاستجابة، واستخدام الوعي والتّفكير قبل الحركة والاستجابة؛ لأنّ وظائفه كلّها من أوّل الصّيد الذي كان يمارسه في أوّل عهده بالحياة، إلى القتال الذي يمارسه دائمًا لحماية الزّوج والأطفال، إلى تدبير المعاش … وإلى سائر تكاليفه في الحياة … لأنّ وظائفه كلّها تحتاج إلى قدر من التّروّي قبل الإقدام، وإعمال الفكر، والبطء في الاستجابة بوجه عام! … وكلّها عميقة في تكوينه عمق خصائص المرأة في تكوينها، وهذه الخصائص تجعله أقدر على القوامة، وأفضل في مجالها. .. كما أنّ تكليفه بالإنفاق – وهو فرع من توزيع الاختصاصات - يجعله بدوره أولى بالقوامة، لأنّ تدبير المعاش للمؤسّسة ومَن فيها داخل في هذه القوامة، والإشراف على تصريف المال فيها أقرب إلى طبيعة وظيفته فيها .... "(2)
إذن إنّ السّببين الرّئيسين اللّذين ذكرهما القرآن لتحديد حقّ الرّجل في القوامة، لهما ما يبرّرهما، فهما نابعان من طبيعة تكوين الزّوجين، واستعدادهما لتحمّل هذه المهمّة. لقد روعي في ذلك العدلِ في التّكليف الاستطاعةُ، كما نُظِر إلى الإعفاء من جانب عدم القدرة على الوظيفة؛ للتّبعات التي تلحق من يتولاّها، وللأهداف المنشودة من وظيفة الأسرة ..
القوامة - التي تمنح حقّ القيادة - مطلب فطري وضرورة حياة، وهي في الأسرة للرّجل. مقتضياتُها الاستعدادُ لتحمّل مسؤوليّة القيادة، والقدرةُ على القيام بها، وأهدافُها التّنظيم، وتوزيع المسؤوليّات في البيت، وتوفير الاستقرار في الأسرة. فقدانُ القوامة أو عدم إسنادها إلى أهلها أصاب الحياة البشريّة بالتّخبّط والاضطراب، والفساد والتّدهور والانهيار .. ممّا ينذر بالهلاك والدّمار، إذ جعل حياة البشريّة على شفا جرف هار.:" ولعلّ من هذه الدّلائل أنّ الأطفال، الذين ينشؤون في مؤسّسة عائليّة، القوامةُ فيها ليست للأب - إمّا لأنّه ضعيف الشّخصيّة، بحيث تبرز عليه شخصيّة الأمّ، وتسيطر عليه، وإمّا لأنّه مفقود: لوفاته، أو لعدم وجود أب شرعي- قلّما ينشؤون أسوياء، وقلّ ألاّ ينحرفوا إلى شذوذ ما، في تكوينهم العصبي والنّفسي، وفي سلوكهم العملي