دور الأب في استقرار الأسرة
الجزء ١ · صفحة ٦إنّ هذا النّقص ناتج عن عدم فقه حقيقة التّربية بعامّة، وما يخصّ منها المجتمع الذي ينتمي إليه مَنْ نكوّنهم وننشّئهم بخاصّة. وقد أقرّ المهتمّون بالتّربية والتّنشئة والبناء بفشل التّكنولوجيا وحدها في منح الجماعات البشريّة قوّة امتلاك زمام المستقبل، وتأمين النّشأة السّويّة، ثمّ الحياة الهنيئة المستقرّة. يقول محمد فتح الله كولن: "لن تكون الأمم المتقدّمة في التّقنية وفي التّكنولوجيا هي الأمم المسيطرة في المستقبل، بل ستكون هذه السّيطرة في يد الأمم التي تهتمّ بمؤسّسة العائلة، والتي تنجح في السموّ بأجيالها إلى مستوى الإنسانيّة الحقّ. أمّا الأمم التي لا تعير أهميّة لمؤسّسة الزّواج والولادة، ولا تهتمّ بتربية أجيالها حسب فلسفتها في التّربية والتّوجيه فمحكوم عليها بالتّحلّل والذّوبان بين فكّي الزّمان الذي لا يرحم"(1)
نتج عن هذه العوامل وغيرها انحرافات عن الفطرة وعن السّنن التي تنتظم وتحكم حركات النّاس، وتوجّه سلوكهم التّوجيهَ السّويّ، كما أوجدت خللا في التّفكير، وخطلا في التّدبير، وخطأ في التّقدير .. أدّى ذلك كلّه إلى وجود تحدّيات للمسلم، جعلته يعيش مفارقات في الحياة؛ التي انبثقت - وتنبثق- من محاولاته الجمع بين الالتزام بالضّوابط الشّرعيّة والقواعد التّنظيميّة، التي حدّها وحدّدها الإسلام وبين ما يسود العالم، وما تنتجه العولمة، وما تثمره الأهواء والمصالح، وما تبلوره وتولّده التّيّارات المنحرفة عن سواء السّبيل .. من ذلك ما تعانيه الأسرة المسلمة من تحدّيات، تتجلّى في الأسئلة المحيّرة المربكة المقلقة المذبذبة لأحوال الأسرة، والمشكّكة في قدرتها على القيام بواجبها البنائي والتّربوي والتّنموي .. وتغيب عنها دلالات المصطلحات .. مثلا ماذا تعني التّنشئة؟ وبأي مضمون تكون، وبأيّ منهج أو أسلوب تتمّ؟ ماذا يعني التّكوين والإعداد؟ وما الأهداف المعلّقة بهما؟ ماذا تعني المراقبة والتّوجيه والإرشاد؟ ولماذا تقوم بهما الأسرة؟ ما هي مهمّة الأسرة الحقيقيّة في ظلّ التّحوّلات والمستجدّات والمتغيّرات؟ وهل – أصلا- تبقى لها مهمّة في خضمّ كلّ ذلك؟؟؟
هذه الأحوال التي تعيشها الأسرة المسلمة اليوم، وهذه الأوضاع التي تتقلّب فيها، التي أحدثت لها مشاكل ومعيقات في التّصرّف في شؤونها بإرادتها، وحسن التّسيير لأمورها، وقوّة التّحكّم في أفرادها، والسّير بهم إلى حيث الأهداف الحقيقيّة والصّحيحة المرسومة … كلّ هذه المستجدّات والمتغيّرات تتطلّب معالجة الموضوع بما يعين على إنقاذ الأسرة من هذه الوهدة، وإخراحها من هذه الكبوة أو الورطة، وإسعافها بالعلاج الشّافي والحلول النّاجعة.
(1) - محمد فتح الله كولن، الموازين أو أضواء على الطّريق، ترجمة أورخان محمد علي، ط5، دار الشّروق، بيروت، القاهرة، 1430هـ/ 2009م، ص: 83.