رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١١٦

كانت المفاوضات في "إيفيان" على قدم وساق وكنا نتابع الأحداث ونحن بين الخوف والرجاء من نجاح المفاوضات أو إخفاقها، ولكن الإيمان القوي بعدالة قضيتنا وحتمية النصر في نهاية المطاف كان يؤجج في نفوسنا الغيرة والحماس، فلا نكاد نحسّ بوعورة الطريق ولا وعثاء السير، وكانت نظرتنا إلى المجاهدين وقادة الثورة نظرة إجلال وإكبار إلى حدّ الافتتان أحيانا بشجاعتهم وبطولاتهم وسموّ المبادئ التي بها ينادون بالأخص ذلك الاعتزاز القوي بالعروبة والإسلام. وهما الطابع الذي ميّز الولاية السادسة على غيرها من الولايات، وقد بدأت تباشير النصر تلوح في الأفق وأخفقت كل المناورات التي تفننت فيها الجمهورية الفرنسية الخامسة بقيادة الجنرال: "ديغول" كمحاولة فصل الصحراء عن الشمال والتي لعب فيه الإمام الشيخ بيوض-رحمه الله- دورا فعّالا في إحباطها، بما تمّ له من اتصالات سرية مع الحكومة الجزائرية المؤقتة في تونس، إذ عقد لذلك عدة جلسات سريّة بعضها تمّ في قريتنا مع كثير من نوّاب الصحراء لدى مجلس الشيوخ الفرنسي، ونواب يمثلون الصحراء لدى مجلس العمالة بوارجلان، ولذلك أصبحوا صفا واحدا ضد تلك المؤامرة الاستعمارية الدنيئة. وإن أنس لا أنس ذلك اليوم المشهود يوم الأحد 12 شوال 1321 الموافق ليوم: 18 مارس 1962، ونحن مجتمعون مع المسؤول في دار الشيخ القرادي، وأعناقنا مشرئبة إلى المذياع بالمحطة التونسية لنستمع إلى البيان الرسمي من طرف رئيس الحكومة المؤقتة الأخ: بن يوسف بن خدة، ليعلن عن وقف إطلاق النار بصفة رسمية ابتداء من ساعة الصفر ليوم 19 مارس 1962، فتصاعدت الزفرات ممتزجة بدموع الفرحة العارمة، ولهجت الألسن بالحمد والثناء لله، وبالمغفرة والرضوان للشهداء الأبرار.

١١٦ / ٢٥١