رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١١٧

ولم نكن نعرف ما يجري من صراعات بين الداخل والخارج في صفوف الثورة، ولا ما بين الولايات من تناقضات في التوجّه والاختيارات المستقبلية ولكننا شممنا مؤشرات ذلك من خلال كثافة الاتصالات بين الضباط والمسؤولين، ومما أعلنه البيان الرسمي للحكومة المؤقتة بعزل بعض قادة الثورة المرموقين، وإذا بالفتنة ينجم قرنها بالتنافس المسعور ما بين الولايات داخل الوطن في التجنيد والتسليح والتجميع الدعائي لجماهير الشعب، وما انجرّ عن ذلك من مواجهات ساخنة أحيانا، لولا وقوف الشعب كالطود الشامخ أمام المدافع والرشاشات، وهو ينادي: "سبع سنين بركات"

كانت الفترة ما بين وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، وبين إعلان الاستقلال الوطني في 05 جويلية 1962، كانت فترة عصيبة لمخاض ميلاد مجتمع وقيام دولة وطنية، وليس إلا يد الله الحانية قوابل تحتاط لمفاجآت الوضع وتحتضن المولود الجديد، وتحيطه بما يستحقه من الرعاية والصيانة لتضمن له النمو الطبيعي بدنا وعقلا وروحا.

أعادت الولاية السادسة ترتيب بيتها لضبط حدودها التاريخية، وبسط هيمنتها عليها. فتعيّن على مسؤولية المنطقة الخامسة الضابط الأخ: "علي شريف" وتمركز جيش التحرير في البلدة، فتضاعفت بذلك مسؤولية مجلسنا، إذ أصبح حلقة وصل بين قيادة المنطقة ومجالس القسمات، وأصبحنا في محك المسؤولية التاريخية، تتطلب منا مزيدا من الجدّ والنشاط ورصيدا من الصبر والأناة وقدرا كبيرا من اليقظة والحذر، إذ أن من طبيعة الثورات -وهي مشرفة على النصر- أن يختلط فيها الحابل بالنابل، فلا يتبين المخلص من الخائن ولا المجاهد من القاعد، ففي الناس طيّب وخبيث وهم عند انفراج الأزمة يرشحون بما في طبائعهم المخبوءة، فينبشون على الثارات القديمة ويطلقون الإحن المكبوتة وتتاح لهم الفرصة لتصفية الحسابات، لأن المصائب تجمع وتذكّر، بينما الأمن والرخاء يفرّق ويبعثر.

١١٧ / ٢٥١