رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١١٨

خضنا ذلك العباب المتلاطم بكل عزيمة وثبات، فلم يستفزنا صولجان السلطة ولم يند بأحلامنا غرور الزعامة، وكنت بين رفاقي -بحمد الله- أحمل القسط الأوفر من صفات الأناة والتبصّر فكنت أعيش تلك الأحداث خطوة فخطوة، وكلما استفزني موقف أو آلمني تصرّف تظاهرت بالرضا والجلد، وركنت إلى حسن الظن، فلا يستخفني حقد ولا حسد، وأننا شديد الثقة بالله أنه لا يخزيني ولا يسلمني وأنه سوف يضع قدميّ على الطريق الصحيح مهما تزاحم الناس في ذلك المفترق الخطير. وأحيانا أقف وقفة تأمل في زحمة ذلك النشاط البشري غير المألوف في البلدة، وأنا أستشفّ بنور الله مكنونات الغيوب، وأستخيره ليلهمني الرشد والسداد، فأزداد اقتناعا بأنني ما خلقت إلا أن أكون مربّي أجيال ومعلّما يكرّس حياته لإعداد الرجال، ثم أحسّ ببرد اليقين يملأ جوانحي رضا وطمأنينة وقناعة بما قسم الله لي.

عجم الدهر عودنا في تلك الفترة العصيبة فترة الصراع بين الولايات في الداخل، وشبة الانفصام بين الجيش والقيادة السياسية في الخارج، ولم نكن ندرك يومئذ أبعاد ذلك الخلاف، ولا دوافع ذلك الصراع على حقيقته، إلا أننا نعلم من الطبع البشريّ والوحي التاريخي أنه تنافس على السلطة.

وقصارى جهدنا أننا سعينا مع قيادة الجيش لحقن كثير من الدماء البريئة كادت تذهب هدرا، ولصون أموال كانت تسلب خيانة وغدرا لأن الجيش لا ينفذ إلا ما يصدر عن المجلس من قرارات.

وقد قررت مراكز القيادات في مختلف الولايات أن تقوم بتجمعات شعبية كبرى، تكون أول لقاء بين الشعب وجيشه وقيادته، للقيام بتوعية الجماهير حتى تقول كلمتها الحاسمة في تقرير المصير. أي تقول: "نعم" لجبهة التحرير وللاستقلال الوطني.

١١٨ / ٢٥١