رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٢٠أخذ شبابنا بفيض من الحماس والغيرة يتسابق إلى التجنيد في صفوف الجيش، وضباط الولاية يلتمسون المزيد منهم ليستكثروا من جموعهم وكانت حمولات الأسلحة تتابع لإعداد العدة وحشد من الخياطين خصصنا لهم دورا بكاملها لإعداد اللباس العسكري للمجنّدين الجدد. وحبذا لو أن الكثير من شبابنا استمر في الخدمة العسكرية لتولّي مختلف مسؤولياتهم -إذن- لأصبحت لنا بوجودهم الكلمة المسموعة والوزن المحترم، غير أن أغلبهم اختار العودة إلى الحياة المدنية بعد أن تحوّل جيش التحرير إلى الجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال، إذ خيّروا بين الاستمرار في الحياة العسكرية وبين الخروج إلى الحياة المدنية.
وقد درج مجتمعنا وتربّى على الإشفاق والخوف من الخدمة العسكرية، ويرجع ذلك لعدة اعتبارات دينية واجتماعية، ولئن كان معذورا في موقفه ذلك أزاء السلطة الاستعمارية فقد طويت صفحتها وأصبحت للبلاد سلطة وطنية، وعلمها المفدّى، فالخدمة العسكرية مدرسة لتكوين الرجال ولولا أن قررها قانون الخدمة الوطنية على كل الشباب الجزائري لما وجد شبابنا سبيله إلى الثكنة العسكرية، ولما لمست يداه قطعة يتدرّب على استعمالها، ليذود عن حوضه ويصون حماه، وتلك لعمري قاصمة الظهر ما نزال نعيش انعكاساتها لدى كثير من أسرنا ممن لا يزال متلكّأ، ويتحايل على القانون لإعفاء أولاده منها.