رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٢٥غير أن الآراء اختلفت بين الكبار الذين يرجع إليهم القرار، وبين الشباب الرائد في العمل الثوري وفي حركة البناء والتشييد، وأغلبهم من أبناء الإصلاح -كما أسلفت- ومن طبيعة ردود الفعل في المجتمعات البشرية أزاء كل تغير وتجديد أن تختلف المشارب وتتعدد المسالك وتتباين الآراء.
وأما المشايخ والعزابة بصفة عامة فقد نفضوا الغبار عن مجلس عمي سعيد وأحيوا مواته ليقوم بدوره في استقطاب حركات المساجد، ومن خلالها مرّ التأطير الاجتماعي بالتوجيه والإرشاد وتنظيم الفتوى الشرعية، ولكن ذلك يقتضي المصالحة والمهادنة مع الحركة التقليدية لمن يسمّون "بالمحافظين" في جبهة داخلية متراصة.
وهو رأي سديد ونظر حصيف لو خلصت النوايا وصحّت العزائم، غير أن الطبع يغلب التطبّع، إذ لم يكن ذلك الوفاق الذي سعى إليه الشيخ الإمام وأتباعه إلا مظهري الشكل، سرعان ما يرتكس إلى حماة الملاحاة والتنافر، سيما وقد أسندت مسؤولية نظارة الأوقاف الخاصة بنا إلى السيد المرحوم الحاج داود حواش أقوى الممثلين للحركة التقليدية وأصلبهم عودا، واتخذت مسؤولية تلك النظارة طابعا رسميا لتكون همزة وصل بين السلطات الروحية في وادي ميزاب وبين السلطات الرسمية الممثلة بوزارة الشؤون الدينية، فالشيخ الإمام -وإن أصبح الرئيس الأول لمجلس عمي سعيد بدون منازع-، فإن لممثل السلطة القوة التنفيذية التي لا تغالب، فانعدم بذلك التوازن المرجوّ بين الحركتين، وزاد الطين بلة مرض الشيخ الإمام، مع كرّ الليالي وتوالي الأيام. وبالتالي انعدم المناخ الملائم للعمل الجادّ المسؤول أمام المغيرات الجذرية في المجتمع الجزائري، والتي فرضتها ظروف البناء والتشييد.
وكنا نحن -الشباب الرائد- نرى في تلك المحاولة من مشايخنا وكبارنا انتكاسة للحركة الإصلاحية وزحزحتها عن مقام القيادة والتوجيه في ظروف لا مجال فيها للتردّد والميوعة، وأحداث وطنية لا مكان فيها للسلبية والانزواء.