رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٢٦كنت مع رفاقي في العطف من السبّاقين إلى الأخذ بزمام المبادرة لمواكبة الأحداث الطارئة على ما يسودها يومئذ من تعسّف وارتجال. فلم نتبع سياسة النعامة، ولم نستسغ خطة التخلّي والهروب، أو موقف الذهول واللامبالاة، بل عزمنا أمرنا من أول يوم أن نبقى في ميدان النضال، وأن نعيش الأحداث الوطنية كيفما كانت الظروف والأحوال، ولم ننتظر من تبنّي تلك المواقف أمرا من أحد -ولا حتى من الشيخ الإمام رحمه الله- فأصبحت أنا والأستاذ الحاج إسماعيل يحي عضوين في مكتب قسمة العطف لجبهة التحرير الوطني، وعندما ضمّت القسمات على مستوى غرداية، التزمنا بالعمل في الخلايا منشطين وموجّهين، وشددنا أزر رفاقنا من المناضلين الآخرين، وعملنا جاهدين لتقوية صفوفهم، إيمانا منا على أن ذلك هو الطريق الأمثل، لمواجهة مستجدات الأحداث، يتحتّم علينا أن نناضل ونكافح ونحن بين القوم في وسط الدار، لا أن نبقى ننتظر ذاهلين من وراء الأسوار، فقد كان الشّيخ الإمام -رحمه الله- يفتح لنا صدره كلما زرناه في القرارة، إذ يستمع بشغف إلى ما كنا نعرضه عليه من مجريات الأحداث المحلية والوطنية، ثم نودّعه وهو يزوّدنا بالدعوات الصالحة، ويصارحنا بأننا على الطريق الصحيح في نظرنا إلى الأمور وموقفنا من الأحداث، وقد عقد الحزب عدة مؤتمرات للشباب والمناضلين هنا وهناك في مناطق الجنوب، سيما في غرداية ووارجلان حتى جاء دور العطفاء في صائفة 1963، فانعقد بدار "آل باكة" مؤتمر كبير للشباب تحت إشراف الأخ محمد شريف مساعدية واستمرّ لثلاثة أيام كاملة. فتشرفت برئاسة جلساته، حتى تتمّ على أكمل وجه وفي أعلى مستوى من النقاش والحوار أثار دهشة الأخ: محمد شريف، وكان لقدماء تونس القدح المعلّى فيه.