رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٣

وفي سنة 1966 لاحظت شقيقتي "عائشة" وهي تمشط للوالدة. لاحظت نتوءا يابسا على ثديها الأيسر. ويا لهول ما أخبرني به الطبيب، وقد كشف فحصه أن الوالدة مصابة بسرطان قديم للثدي، كان قد امتد بفروعه المميتة إلى كثير من أعضائها. غير أنه نصحني باستئصال نواة السرطان مع الثدي المصاب حتى تخف عنها الأوجاع والآلام. وتمت العملية الجراحية في مستشفى غرداية في أحسن الظروف، إذ انغلق الجرح بسرعة، فهي لا تشكو سكرا ولا ملحا، وقلبها معافى، وهو بمثابة قلب شاب في مقتبل العمر، خرجت من المستشفى راضية بما قدر الله لتزيد في عمرها سنتين كاملتين لا تشكو ألما ولا وجعا إلا في العشرة الأخيرة لوفاتها. إذ خنقها ذلك الوحش الضاري في حلقها، بحيث صعب عليها الكلام وبلع الطعام، وكنت أقوم بنفسي على خدمتها وهي في كامل وعيها، ولكنها لا تقوى على النطق. وفي يوم 28 ماي سنة 1967 وأنا إلى جوارها أتلو سورا من القرآن، وأفراد الأسرة من حولي واجمون. وما كدت أنتهي من تلاوة سورتي يس والصافات حتى أسلمت الروح إلى بارئها طاهرة نقية، لم يسمع منها أنين ولم تبد حراكا عند سكرات الموت، فأغمضت عينيها وأنا ألقن لها الشهادة في رباطة جأش ورضا بقضاء الله، وذلك ليوم 28 ماي 1967.

شرعنا في إعداد مراسيم الجنازة في مصلى "باعبد الله" وكان موكبا مشهودا حضره العشراء والزملاء وجمع غفير من المواطنين، وكلهم ألسن داعية بالترحم عليها.

وهكذا تنتهي رحلة العمر لهذه الأم الرؤوم عن عمر يناهز الثمانين وشاءت الأقدار أن تلحق بها أختي "فافة" ربيبتها ورفيقتها في هيئة "الغاسلات" وذلك ليوم 05 أكتوبر لسنة 1968 فدفنت إلى جانبها في نفس المقبرة. وهكذا تكون الصحبة والوفاء في الله. فسبحان من تفرد بالبقاء، وتعالى بالعظمة والكبرياء.

ب - نشأتي ومربع صباي:

١٣ / ٢٥١