رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٣٥وهكذا سقط في أيديهم فأراحنا الله من دراسة آلاف الملفات التي لا يشملها القانون. وكان أشد المواقف إحراجا لي في المجلس عند بداية دراسة الملفات، هو ذلك الذي يقضي بأن يبادر أعضاء المجلس الموسع بالتنازل من تلقاء أنفسهم عن بعض ما يملكون لفائدة صندوق الثورة الزراعية حتى يكونوا قدوة لغيرهم من الشعب، وقد حضر للإشراف على هذه العملية بالخصوص مراقب وطني وفد إلينا من العاصمة ويقضي القانون أن يتبرع العضو بمبلغ مالي إذا كان لا يملك قطعة أرض أو نخلا فكيف يكون موقفي وأنا لا أملك إلا مساحة حوالي مائتي وألف متر مربع بها عشرون نخلة غرستها بيدي في ناحية "باهميان" من أجنة العطف، وتعهّدتها بالسقي والنماء مثل أولادي، وقد نبتوا سويا يرتوون من جهدي وكدحي لبنا وعرقا. عزمت أمري ألا أنخدع للدعايات العاطفية ولا أتملّق أي مسؤول، علما بأن هذه القطعة تقع في منطقة سكنية في التصميم المعماري، فلا مبرر للتبرع بها، وقد وضع ملف تصريحي على الطاولة أمام المراقب الوطني، فأجبت بكل جرأة أنني لا أملك غير هذه الأرض لسكنيات أولادي، فلست بمتبرّع بها، لأنني أولى بها، إذ لا تقع في منطقة زراعية، .. وهكذا خرجت مرة أخرى من هذه الأزمة موفور الكرامة، مدّخرا ما اكتسبته بعرق الجبين حتى لكأنني عرفت ما ستؤول إليه أحوال الثورة الزراعية بعد حين.