رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٥أخذت أتردد على كتّاب القرية بجوار مسجد "أبي سالم" في سن مبكرة، وفي سنة 1934 التحقت بالمدرسة الابتدائية الفرنسية الوحيدة في القرية، والتي أنشئت في مطالع القرن العشرين، في جوّ من الجهل المطبق، والتحفظ من تعلم اللغة الفرنسية؛ لأنها لغة الكافر المحتل. وكان لا يلتحق بهذه المدرسة إلا أولاد الفقراء، لأن الأغنياء يدفعون إتاوات حتى يعفى أولادهم من تعلم الفرنسية. وربّ ضارة نافعة، إذ أصبحت اللغة الفرنسية ضرورية لمن يريد أن يضمن لقمة العيش. وفي تلك الحقبة من سنة 1936 كان الشيخ الحاج إبراهيم محمد بن بهون -رحمه الله- قد عاد من مدينة "غليزان" معلما ومربيا ليستقر في العطف ويتولى التعليم في كتّاب "أبي سالم" وذلك بعد أن تشبع بالفكرة الإصلاحية في معهد الحياة بالقرارة حيث حفظ القرآن وتزود بمبادئ اللغة العربية. وقد بدأ الصراع التقليدي بين المحافظين والمصلحين بقيادة الشيخ الإمام المرحوم بيوض الحاج إبراهيم بن عمر. وكان الشيخ محمد بن بهون يسكن قبالة بيتنا في منزل عمه السيد الحاج إبراهيم عيسى بن الحاج صالح "يازيض"، كنت أتردد على بيت الشيخ إذ كانت زوجته السيدة خير الناس لالة بنت رمضان تغمرني بعطفها وحنانها، وكنت أتمتع بمشاهدة كتب الشيخ، كما كنت أحضر بعض لقاءاته مع زملائه المثقفين، وأستمع إلى مناقشاتهم خفية في دهليز الدار. أذكر منهم الشيخ داودي عمر بن صالح الغرداوي الضرير، والأستاذ الكبير محمد الحاج الناصر، وكلاهما تلميذ للشيخ بيوض، فقد شغفت بالكتب والقراءة في سن مبكرة، وكانت لي -بفضل الله- ذاكرة قوية تسجّل كلّ ما يقع على صفحتها في أسرع وقت، فنما في نفسي حبّ الاطّلاع ودقّة الملاحظة، والميل إلى المقارنة والاستنتاج.