رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

لم تكن لي رحلات ولا أسفار خارج حدود الوطن للشرق ولا للغرب، لأن العمل الدائب في مسار مهنتي لم يتح لي الفرصة للسياحة في أرض الله كما أمرنا للنظر والاعتبار، حتى كان من حسن حظي أن كنت من الفائزين في قرعة الحج لموسم 1397 هـ/1977م، فيا بشرى إنها فرصة العمر التي لم تتح من قبل لأحد من أفراد أسرتنا من آل كعباش خاصة الآباء والأجداد الأقربين.

فاجتمع لتلك السنة وفد ضمّ خيرة أبناء البلد من عزابة وأعيان يناهز الأربعين نفرا ما بين رجال ونساء، من بينهم الأخوان: الحاج أيوب قرادي، وبكلي بابة أحمد بن حمو، وبعض العزابة الكرام، تجندت أسرتنا للإعداد وهي مستبشرة بهذه الرحلة المباركة التي يهفو إليها قلب كل مسلم يفارق فيها أهله ووطنه تلبية لنداء مولاه، وهو أحبّ إليه مما سواه، يطوف ببيته المبارك ويزور مصطفاه.

تحدد اليوم المشهود لتشييع وفد الرحمن كما أمر رسول الله، فانطلق الركب من مسجد أبي سالم بعد الدعاء الصالح من الشيخ العلامة يوسف بن بكير، فانطلقت الحناجر تردّد الدعاء المألوف: يا عظيم الجود يا مولانا بلغ المقصود يا الله يالله.

فيا لجلال الموكب في لباسه الأبيض الزاهي، وأعلامه الخفاقة، ودويّ تهليله وصيحات ابتهالاته، ويا لروعة تلك الجموع المتراصة وهي تنساب مزهوة في أزقة القرية مرورا بساحة السوق إلى مقام الشيخ أبي عبد الله محمد بن بكر، وجموع النساء والصبايا تسدّ المنعرجات في ثيابهن البيضاء يزغردن ويلوّحن بأيديهنّ مودّعات، وبعضهن من لوعة الفراق باكيات والبعض الآخر من السطوح مشرفات، وحتى الشيوخ والعجزة على مدخل البلدة يقومون تعظيما لشعائر الله وتكريما لوفد الرحمن.

١٥٢ / ٢٥١