رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٥٣وبما أنّ منطلق الطائرة من نوع "بوينغ" 737 يكون من ورقلة في صبيحة الغد، فقد بتنا ليلة الوداع في جنان السيد: ابن عيسى عمر بن حاج إبراهيم سهالة، بحي "باهميان" إذ كان ولده البكر الأخ موسى ضمن وفدنا، وتوّلت خدمتنا ثلة من شبابنا الكريم، وفي رتل السيارات بعدد خمس عشرة سيارة تسللنا في وقت السحر إلى "وارجلان" وأدّينا فريضة الصبح جماعة في مسجد "لالة عزّة" وقد التفّ بنا فوج من أبنائنا التجار هناك ليرافقونا إلى مركز التجمّع بوحدة رجال الخدمة المدنية حيث مراسيم الأمن والجمرك في يسر ولياقة لنستقل الحافلات من هناك إلى المطار والطائرة هي من حجم مئة راكب، انطلقت بنا إلى مطار "بن غازي " بليبيا الشقيقة على العاشرة صباحا، وهي تدوّي بأصوات التلبية والتهليل، ثم اتجهت صوب "جدّة" فتمّت رحلتنا -بفضل الله- في أحسن الظروف، إذ استوت طائرتنا على متن الهواء في استقرار عجيب، حتى لكأننا فوق بساط من كثيب، حتى دلفت الشمس للغروب، فأخذ الظلام يلفّنا شيئا فشيئا، ونحن نستجلي عظمة الخالق في بديع صنعه وجلال قدرته ما بين زرقة السماء ومياه البحر الأحمر، وبعد وقت قصير لاحت أنوار "جدّة" كجواهر الحسناء، فإذا بطائرتنا تدور ليؤذن لها بالهبوط في هالة من الأنوار، حتى لكأننا في ساعة من نهار، وبعد إتمام إجراءات الأمن والجمرك اتجهنا صوب الدار القديمة في جدة، لنتأهب للسفر من هناك إلى مدينة الرسول، لم تثر فضولي مدينة جدة كثيرا، إذ لا تتميّز عن مثيلاتها من الحواضر الكبرى ذات الطابع الأوربي.
لم يكد ينتظم وفدنا للمسير حتى تحركت لواعج الأشواق، إلى شرف الزيارة لأزكى حبيب اصطفاه الخلاّق إنها النقلة العجيبة في كوامن النفس وأغوار الوجدان، إنها أشبه ما تكون بموجدة الصوفي في إشراقة روحه ورفرفة خلوته، وحتى نبرات التلبية يمازحها حنين تندفع أمواجه من الأعماق، في قشعريرة الإجلال والهيبة، فإذا باللسان يرتبك ويتعثّر، وإذا بالدمع يفصح ويعبّر.