رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٥٤

كنت أجتاز ذلك الحاجز النفسي العجيب كالحالم بين اليقظة والمنام، وكلما دنوت إلى مربع الحرم النبوي الشريف سبحت في فيض من الخواطر والانفعالات، فلا أكاد أنتبه إلى ما حوالي، ومن العادة أن تغلق أبواب الحرم عند منتصف الليل حتى الأذان الأول للصبح غير أن الزوار لا يضرّهم الانتظار قبل ذلك بساعات، حتى يكونوا أول الداخلين السابقين إلى حجز أماكنهم، وكنت من طول القامة وفراهة الأعضاء -بحمد الله- ما يخوّلني أن أتسلل بسهولة وسط الزحام، لآخذ مكاني قريبا من الأمام، وهكذا أديت أول صلاة لقرآن الفجر، في أمواج من البشر، كأنها تنطلق ليوم الحشر، تهدر وهي تسبّح بحمد ربّها، فتغمرك خشية ورهبة وتهيم في سبحات روحية، تنقلك في لحظات إلى الحظيرة القدسية وفسحة الملكوت، فتتخطى بذلك حاجز الموت والفناء، إلى رفرف الخلد ونعيم البقاء، فيا لحلاوة الإيمان وبرد اليقين، حين تمدّ عينيك وأنت على خطوات من الروضة الشريفة، تستعجل الخطوات، وتلتمس الفجوات في صفوف الخلائق الولهى، وهي تترنّح من خمرة الوجد ولا تكاد تصدق أنها بحضرة الرسول وألا حاجز بينها وبين رفاته الطاهر مع صحابيه إلا تلك القضبان الحديدية السميكة، تتهافت حولها تهافت الفراش، وتودّ لو تقتلعها لولا يقظة الحارس البطّاش.

ها أنا ذا بحضرة الرسول الحبيب، وذا هو منبره الشريف تحف به ملائكة الله، وصوت الوحي يدوّي من عليائه، فمن لي بصلاة ركعتين بين الروضة والمنبر لأتبوّأ بهما روضة من رياض الجنة إنها أمنية كل حاج، فلأتحيّن الفرصة ولو لوقت قصير نتناوب فيه التحليق على المصلي منا لنمنع المرور بين يديه.

١٥٤ / ٢٥١