رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٥٧دخلنا مكة محرمين بالعمرة، وأتممنا مناسكها فور التحاقنا بالدار، وكان الليل قد أرخى سدوله، والزحمة على أشدّها في شوراع مكة، وفي المطاف والمسعى، فمن لي بالألفاظ الزكية والكلمات الطيّبة لأصف بها ذلك الشعور الفيّاض الذي ينتاب المؤمن عندما تواجهه الكعبة في أول رؤيته لها؟ مجلّلة بحليّها السوداء الحريرية مرصّعة بالحروف الذهبية لآيات من القرآن الكريم، مشيّدة بفضلها ومقامها عند الله، وتلك الدائرة الذهبية حيث يستقرّ الحجر الأسعد الكريم، ما يزال يتبرّك بأيدي الرسول وهو يرفعه من برده الشريف ليركزه في ذلك الركن العظيم، إلى باب الكعبة في الملتزم ذي الفضل العميم، وأمواج البشر حولها كالطوفان، مشدودة إلى الكعبة في جاذبية روحانية كما تشدّ الأفلاك إلى شموسها، لا تبرح مداراتها، وهي مسبحة بحمد ربّها، والطوّافون يتزاحمون في تماوت حول الحجر الأسعد، لتحظى بالتقبيل أو اللمس، وفي كل مرة من طوافنا نودّ لو يخفّ الضغط، ولكن ما أشبه اليوم بالأمس، فلا نملك إلا أن نلوّح بأيدينا إلى الحجر من بعيد، يقينا منا بأن المولى جل وعلا هو أقرب إلينا من حبل الوريد، و ما تلك الأحجار إلا رموز، وما تلك المناسك إلا تعبير عن التذلل والخضوع والإجلال لعظمة الخالق، وتعظيم شعائره ليسمو العبد المؤمن على حدود الزمان والمكان، إلى حظيرة القدس ورفرف الرضوان. وقد تعدّد أداؤنا للعمرة، إما تطوّعا وإما نيابة عمن كلّفنا بذلك، وقد وفقني الله تعالى لأداء ست عمرات في حق والديّ وزوجتي وبعض الأقارب.