رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٥٩وها قد اقترب اليوم المشهود يوم التروية وصادف أن كان يوم جمعة 08 ذو الحجة 1397هـ /20 نوفمبر 1977، ومن السنة أن نصعد إلى جبل "عرفات" مرورا بمنى للمبيت فيه ليلة التاسع من ذي الحجة، ولكن الحافلات المكتراة لنقل وفودنا وقعت في فوضى فتأخرت عن الموعد مما اضطرنا إلى الانطلاق من مكة في ضحى اليوم التاسع مباشرة إلى عرفات سيما الوفود المثقلة بالعائلات، فمن اعتمد على نفسه مشيا على الأقدام استطاع المبيت في "منى" اتباعا للسنة، ولكن لا حرج على المضطرّ في التنقل مباشرة، ومع خناق الزحمة وافينا خيمنا الكبرى التي هي كالشامة في وسط الخيام لسعتها وتنسيقها المحكم، فيأخذ العزابة مكان الصدارة في الخيمة وهم يتناوبون بالأدعية، من بعد صلاتي الظهر والعصر جمعا، تؤوّب على أدعيتهم جماعات الوفود حتى غروب الشمس، فيا له من مشهد رهيب مهيب، هو صورة مصغرة لمشهد الحشر يوم يقوم الناس لرب العالمين فلا تسمع إلا أصوات التهليل والتكبير والأدعية المخنوقة بالعبرات وتصاعد الآهات والزفرات.
كنت أهيم في تلك المسبحات وقد طوّحت بي الذكريات إلى ذلك العصر المقدّس عصر النبي وصحابته الأكرمين في السنة العاشرة من الهجرة، وهم ملتفون حوله في سفح جبل الرحمة حيث ألقى الرسول على مسامع الدنيا خطبته الشهيرة في حجة الوداع، ليحدد بها بنود الدستور الإسلامي ولتكون آخر وصاياه لأمته، ثم يلتحق بالرفيق الأعلى ويهتزّ كياني هزة المتبتل الولهان، لآخر آية نزولا من القرآن: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:3 [. أية عظمة وأي إجلال لسلطان الله وتلك الخلائق تهفو لرحمته، وتشدو بجلاله وعظمته؟؟ إنها عزة الإسلام وقوة سلطانه على النفوس، عندما تخلص توجها لله وتعتز بجلاله وتسير على هديه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:8].