رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٦٠

غربت الشمس وساحة عرفات تتموج للبدء في الإفاضة، ولا يتأتى المبيت في المزدلفة لأولئك الذين يفيضون على الحافلات، التي غالبا ما تخنقها الزحمة لساعات طويلة، فلنفض-نحن الأصحاء- على أرجلنا في وفقة يكون رائدنا فيها من لهم خبرة بالدروب والمسالك حتى لا نخطئ الطريق، فما أسرع ما تكونت قافلتنا في صف منتظم، يؤطرنا فيها من أمام ومن خلف إخوان لنا ذوو قامات فارهة، ويرفعون رايات فوق رؤوسهم نسترشد بها في مسيرتنا ونحن في تهليل وتكبير شعث غبر، و في مزدلفة قرنا صلاتي المغرب والعشاء تقصيرا كما فعل الرسول ثم حططنا رحالنا لأخذ قسط من الراحة نفترش الأرض ونلتحف السماء ونحن نجأر إلى الله بالدعاء وتتقارب مفارشنا حتى لا يند أحد عن الرفقة ونلتقط الحصيات لرمي الجمرات، ثم استأنفنا طريقنا بعد صلاة الصبح لنقطع "وادي النار" قبل طلوع الشمس، واحكمنا خط سيرنا في شعب "منى" حتى انتهينا إلى دار الجماعة بسلامة. ثم تسللنا بين الجموع لرمي جمرة العقبة، والحل من الإحرام ثم تحليق الشعر.

قضينا ثلاثة أيام في "منى" ونحن مرتاحو الضمير، تحينا الفرصة لطواف الإفاضة واستكمال مناسكنا -بحمد الله- فلم يضع أحدنا في الرحمة، كما لم نشعر بشدة الحرارة ولا بضيق المكان.

اغتنمنا فرصة إقامتنا في "منى" وتجولنا خلال الخيام المنصوبة لمختلف الوفود، وكان من حسن حظنا أن اهتدينا إلى مركز الإخوان المسلمين، حيث يقيم الأستاذ "محمد قطب"، ومريدوه واستمعنا إلى محاضرته القيمة حول الحركة الإسلامية، كما أجرينا معه حوارا شيقا وتعرفنا به، وهو يكن إجلالا وتقديرا للثورة الجزائرية.

تركنا وادي منى بعد إتمام المناسك وتوجنا ذلك بحفل عامر أقمناه في الليلة الثالثة بالمدائح الدينية وتوجيهات المشائخ، ولم يبق لعودتنا إلا نحو أسبوع في مكة.

١٦٠ / ٢٥١