رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

ولا تسل عن حرارة الاستقبال وفرحة اللقاء. وقد علت الهتافات والزغاريد والجموع تردد الدعاء: "الحمد لله والشكر لله، ما خاب عبد قصد مولاه"، وكان رجوعنا سالما إلى حيث انطلقنا من مسجد "أبي سالم" حيث كان في انتظارنا بعض الشيوخ والعجزة وعلى رأسهم المرحوم الشيخ يوسف بن بكير، والكل يحمد الله على العودة السليمة وأداء الواجب، فألقيت كلمة شكر وثناء على حرارة الاستقبال، وبعد الرقية المألوفة على علب الحلواء والتين وغيرها، ذهب كل منا إلى أهله وذويه، وقد جرت العادة أن تتزين الدار كأنها في عرس. وتقف زوجة الحاج متزينة بأبهى ما تملكه من حلي ولباس محتجبة بحائكها الصوفي، تقف أمام مدخل الدار المار إلى الوسط حيث تتجمع البنات وذوات المحارم في حللهن البيضاء الزاهية، ونساء أخريات من المعارف والجيران. وتكون الزوجة هي أول من يستقبل الحاج على مدخل داره، تناديه باسمه موصوفا "بالحاج" ثم تخلع عنها حائكها السابغ لتظهر في أجمل هيئة أمام زوجها، وهي تتلقى التهاني من كل الحاضرات، ويجلس الحاج محفوفا ببناته وذوات محارمه كجوهرة العقد، وهو الآخر يتلقى التهاني ويحظى بالتكريم.

فأية سعادة يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات، وأية عبارة تؤدي المعنى الوجداني الذي يختلج في الصدر حين ينعم الإنسان بذلك الفيض من المحبة والتكريم من ألصق الناس به وأعزهم عليه، وقد وفقه الله إلى أداء واجبه الديني في يسر من أمره وصحة من بدنه، وفي حفاوة من رفقته.

نعم إنها فرصة اللقاء السعيد التي قال عنها البحتري.

ولو عرف الناس اللقاء وحسنه … لحبب من أجل اللقاء التّفرّق

وذو الشوق القديم وإن تعزى … مشوق حين يلقى العاشقينا

١٦٢ / ٢٥١