رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٦٦وفي أوائل شهر جويلية 1978 نسقنا تراتيب الرحلة مع السيد الهمام الحاج أيوب إبراهيم بن بالحاج قرادي. انطلاقا من معمل "الشكولاطة" ببئر مراد رايس. وقد زودنا بما يساعدنا من النقود والتوجيهات وكنا على موعد اللقاء بالأخ خير الناس يونس ليرافقنا في هذه الرحلة –وهو أعلم بالإجراءات الضرورية لذلك- وبما أننا اكترينا إلى مطار "أورلي" فقد اضطررنا إلى المبيت بدار جماعتنا في حي "آلفور" بباريس لنستقل القطار في الصباح الباكر إلى مدينة "روبي" في الشمال.
أحقا نحن في بلد الجن والملائكة كما وصفها الكتاب المصريون؟ كل شيء هنا يتحرك بسرعة، فلا مجال للتردد أو الغفلة، ولا مبرر للحيرة والتيه، فكل شيء تدل عليه الإشارات والإعلانات -إن كنت ممن يتقن الفرنسية-، إنها الحياة المادية الصرفة، فلا مطمع في عون أحد ولا إسعاف، الكل منصرف إلى شؤونه الخاصة، ولكل خدمة مقابل من الفلوس، ولو أن تتخفف من احتقان البول في دورة المياه العامة.
وإن تعجب فعجب لتلك القطر الأرضية ومحطاتها كيف يدلف الناس إلى إنفاقها، في شبكة أرضية تأخذ في كل اتجاه لأحياء العاصمة الصاخبة، وهي تتعرج وتتقاطع في مساراتها ويعلو بعضها على بعض في مسارب الأرض ودروبها، وللتذاكر آلات لا تخطئ الضبط عند كل محطة، ويقف القطار في الحي المقصود، فإذا بالناس يخرجون من فوهات المحطات كالنمل من أحجارها، لا ينقطع سعيها في غدوها ورواحها.
لم نلق أي تكريم بصفتنا "عزابة" في دار جماعتنا فافترشنا دكاكين الصالون العام وتوسدنا حقائبنا ونمنا بإحدى مقلتينا. وذلك لسوء التسيير، وضعف الاحترام والتقدير من أناس غلبت عليهم النظرة النفعية، والاعتبار العنصري -بكل أسف-.