رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

انطلقنا في الصباح الباكر على متن القطار الكهربائي وفي أيدينا رزنامة المواعيد لتحركات القطر كلها في مختلف الاتجاهات، فلا يكاد القطار يخطئ التوقيت المقرر بالدقائق إلا ما يكون نادرا من خلل متوقع ولا تسل عن لياقة المراقبين للتذاكر، وعن لباقة الركاب وهدوئهم، فلا صخب ولا تدخين ولا مشادة، والقطار ينساب بسرعة فائقة بين المروج الخضراء والضيعات المنبتّة هنا وهناك، ويقف عند المحطات الكبرى، ثم يستأنف السير حتى مدينة "روبي" فأخذ يمشي الهوينا وقد دنا من المحطة النهائية لخطه المعين.

أحسست بشعور كئيب وأنا أعيش تلك اللحظات فقلت لأصحابي: أين نحن من هذا الضبط والنظام؟ بل وأين نحن من تعاليم ديننا الحنيف، ونحن نعتبر أنفسنا المؤسسين لأصول هذه الحضارة، والأساتذة لهؤلاء الناس؟ … أم يصدق فينا ما قاله الشاعر: محمود غنيم:

القوم يبتكرون المعجزات لنا … ونحن نفتن في إطراء ما ابتكروا

فهل ترى الشرق قد أدى رسالته … وهل ترى أنبياء الغرب قد ظهروا

ومدينة "روبي" هي من المدن العتيقة في شمال فرنسا متاخمة لحدود "بلجيكا" وما تزال مبانيها على الطراز التقليدي القديم. تكاد البيوت تكون مستقلة منفردة بجميع مرافقها من المخبئ تحت الأرض إلى مخبئ الحبوب في الطابق العلوي. وغالبا ما يكون السفلي متجرا أو مستودعا للسيارات وغيرها، وتكون السكنى في الطابق العلوي الذي تكون أغلب مرافقه مغلقة بالأخشاب العازلة درءا للبرد القارص.

عجبنا من الإخوة كيف اختاروا لحركاتهم التجارية مثل تلك المدن القاسية مثل: "روبي" "أنكريك" "موبيج" "لاكروا"، "ليل" … إلخ فأخبرونا بأن أغلب من نسميهم "الحركة" ممن تعاونوا مع الجيش الفرنسي إبان الثورة التحريرية يتواجدون هناك، إذ يقرب عددهم من نحو مائتي ألف نسمة، إضافة إلى العائلات المغاربية المستقرة هناك من قبل كعمال في النسيج الذي تشتهر به تلك المناطق.

١٦٧ / ٢٥١