رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ١٧٣

لم تكتب لي عودة ميمونة إلى تونس الخضراء منذ أن فارقتها سنة 1954 كطالب يعود إلى أرض الوطن بعد استكمال دراسته هناك. فلم تتحقق تلك العودة المشتهاة إلا في العطلة الصيفية من سنة 1979 رفقة فوج من معلمي "النهضة" ذهبنا في ثلاث سيارات منها سيارتي من نوع 404 "بيجو" وأخرى للمرحوم: ابن عيسى بالحاج بن إبراهيم سهالة. والثالثة للأخ السيد: عيسى عيسى بن إبراهيم بن عدون. تجهزنا بكل ما يلزم للرحلة طعاما وإيواء تحت الخيام على الهواء الطلق. وانطلقنا عبر الجنوب من حدود "توزر" فقفصة فالقيروان، ثم مباشرة إلى العاصمة، حيث اتخذنا من مصلى دار الجماعة بسوق "البلاط" مأوى لنا لبضعة أيام، ثم اتجهنا صوب الجنوب على طريق الساحل بقربص فالحمامات، فسوسة، فنابل، فصفاقس فقابس ثم إلى جزيرة جربة، ونعمت المحطة. طاب المقام لنا فيها لثلاثة أيام، تجولنا خلالها في أنحاء الجزيرة، بعد أن اتخذنا من مسجد "والغ" مستقرا لنا. عشنا تلك الأيام ونحن مغمورون بمختلف الأحاسيس التي تسعدنا أحيانا وتبكينا أخرى.

كنا نزور مختلف النواحي في الجزيرة، فتطالعنا تلك الآثار المجيدة من مساجد تامة المرافق، أو مصليات صغرى تنطق بما كان لها من نشاط وحيوية في الدور الذي قامت به طيلة القرون المتتالية، ومشايخنا -رحمهم الله-يتخذون منها مراكز للإشعاع، ومعاقل للصمود والكفاح للغزاة المعتدين، وحصونا لقيمهم ومثلهم العليا أمام التحديات وتوالي النكبات. وقد أنتج غار "أمجماج" ديوان الأشياخ وتمخضت مشاورات العلماء من أمثال "أبي مسور" وولده: "أبي زكرياء، فيصل" عن نظام حلقة العزابة الذي غدا السياج المنيع لبقاء المذهب الإباضي حتى اليوم، وما أروع الدور القيادي لعائلة "الباروني" عبر التاريخ، وقد زرنا الحي الخاص بهم لمسجده ومكتبته ووقفنا على ضريح الشيخ إسماعيل الجيطالي -رحمه الله- مع جلة من العلماء والمشائخ هناك. فماذا دهى أهل الجزيرة اليوم؟؟

١٧٣ / ٢٥١