رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٧٥لقد كادت الأواصر تنقطع تماما بين ميزاب والجزيرة في المجال الثقافي والعلمي، حتى في فترة ازدهار الحركة الإصلاحية في العقود الأربعة الأولى من القرن، إذ لم يتلق معهد الحياة من الطلبة الجربيين مثل ما كان للإخوة الليبيين، غير أن البعثة البيوضية بتونس من أوائل الخمسينيات احتكت ببعض الطلبة الجربيين من طلبة جامع الزيتونة فامتدت جسور التواصل بين الإخوة، وتكونت الطليعة الرائدة بين الجربيين على عيني الأب الروحي والشيخ الوقور الشيخ سالم بن يعقوب -رحمه الله- وقد اتصلت به في أوائل الخمسينيات، بدار جماعتنا في "سوق البلاط" فشمت فيه وقار الإسلام وجلال العلم، والغيرة والإخلاص لقومه وبلاده. ولكنه لم يجد من حوله إلا القليل ممن يؤازره من أبناء الجيل الصاعد فقام هو والشيخ يونس البصير بما يجب عليهم من النصح والإرشاد. غير أن أغلب من يمكن أن يعتمد عليه من الجربيين المتمولين قد أغوتهم الحواضر الكبرى في تونس العاصمة وحتى في الجزائر وقسنطينة، فاندمجوا في العائلة الكبرى واستمرأوا حياة البذخ والترف، وكادوا يفقدون ميزاتهم الخلقية والاجتماعية وكان ما تسلط على جزيرتهم من المسخ والطمس بمثابة المنبه الذي حرك حسهم القومي ووعيهم الاجتماعي، إذ ظهر على مسرح الإصلاح والتغيير كل من الأساتذة الأجلاء، عبد الهادي الحاج إبراهيم والشيخ الصادق بن مرزوق، وبشير كوجة وغيرهم. فوجدوا من الطلبة الجربيين تجاوبا واستعدادا لدفع عجلة النهضة إلى الأمام، وقد جعلوا من "دار الهنتاتي" في سوق "اللفة" مركز تجميع وتأطير لجهودهم حتى برز على مسرح الأحداث الدكتور "فرحات الجعبيري" ليضع المسيرة على النهج الصحيح، ويعطي لها دفعا قويا بحسن قيادته وقوة شخصيته.