رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٧٨ثم استأنفنا طريقنا إلى الرباط، عاصمة المغرب اليوم، وتجولنا في معالمها لمدة يومين، وشد انتباهنا ضريح محمد الخامس -تغمده الله برحمته- فهو تحفة فنية رائعة، إذ يقبع الضريح في بهو أرضي يطل عليه السواح من فوق في خشوع واستماع إلى تلاوة مباركة لا تنقطع ليل نهار. وفي مسلك مدرج إلى مستوى أرضية الضريح يشاهد الزائر صورا لبعض شخصيات العائلة المالكة، وإلى الجانب الآخر من الساحة الكبرى حيث تنتصب أعمدة السواري لبقايا مسجد عتيق، يقوم العمال والفنيون بإعداد ضريح للملك الحسن الثاني على شكل ضريح والده في نفس المكان. ولكن صدق القائل: «ما بعد الموت من مستعتب، وما بعده من دار إلا الجنة أو النار»، وصدق مولانا يوم ينادي مناديه: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ [غافر:16]، وتنتظرنا في نهاية رحلتنا حاضرة "مراكش" عاصمة المرابطين ومن جاء بعدهم من مختلف الدول، سيما السعديين، بما بقي لهم من الآثار في "الشلة" وفي قصر "الربيع" هناك. ولكننا عرجنا في طريقنا إلى مراكش على "الدار البيضاء" العاصمة الاقتصادية للمغرب، وذلك لمعاينة مسجد الحسن الثاني على شاطئ المحيط. وهو الآخر أعجوبة العصر في سعته ومرافقه ومئذنته العجيبة التي تعد أرفع مئذنة في شمال إفريقيا. وهو أيضا تحفة فنية تجسد مهارات العمال المغاربة في النقش والزخرفة، إذ قيل لنا بأن لا يد لأجنبي في الإنجاز تصميما وبناء، وإذ ما تزال الأشغال جارية فلم نتمكن من الدخول إلى ساحاته ومرافقه.