رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ١٨٨لكلّ رحلة غاية ونهاية، ورحلة العمر تتم على مراحل، ولكل مرحلة خصوصياتها وآثارها في حياة الإنسان، وقد لخص المولى تبارك وتعالى ذلك في سورة الروم فقال جلّ من قائل: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:54].
وها أنا ذا ذرفت على الثمانين، وانتهيت إلى مرحلة التقاعد في آخر شهر ديسمبر من سنة 1990م لقد أصبحت في ﴿ثُمَّ﴾ الأخيرة من الآية الكريمة، فقد أدمت قدماي وعثاء الطريق، ووخط الشيب رأسي، فما أدري ما يكون من تداعيات هذه المرحلة، كما لا أستطيع تقدير كمية الزاد لباقي للرحلة، ولا كيف أختار الرفيق، غير أني باق على الوفاء لاستكمال مسيرتي الاجتماعية، كما أن حسن ظني بالله وثيق.
لقد انطلق العقد الأخير من القرن في التسعينيات -كما سبق- وجو الساحة الوطنية مغبر الأديم، ثم توشح بوشاح الفتنة طرزت الفواجع حواشيه بالدماء والدموع حتى اصطلح وطنيا على تسميته بالعشرية السوداء، امتد ليلها حتى منطلق القرن الحادي والعشرين من الألفية الثالثة. وفي الساحة العالمية تقلبات ومستجدات كبيرة تنعكس آثارها على كل شعوب العالم، وويل للمستضعفين المتناحرين في عالم يتكتل فيه الأقوياء ويخططون لضمان مصالح الأغنياء واستنزاف الفقراء، والاستحواذ على مصادر الغنى والثراء، واتخذوا لذلك شعارات، وتفننوا في حرب الإشاعات وتنميق المصطلحات من مثل: الديمقراطية والتعددية الحزبية، والعولمة وحرب الإرهاب. كما تذرعوا بهيئات ومؤسسات أضفوا عليها الطابع العالمي والأممي، تتفرع كلها عن هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وساعدهم على ذلك القطبية الأحادية في العالم بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، إذ أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة المهيمنة على تسيير العالم وتحت جناحيها الصهيونية العالمية.