رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢١

وعلى شغفي بالدراسة في الكتّاب وحفظ القرآن أصبحت تراودني الأحلام في أن أكون ذلك الفتى العامل لمساعدة أمه وبناء مستقبله، وليس لي في مخيلتي مما ينتظرني إلا ذلك الجانب المشرق من ركوب السيارة ومشاهدة المناظر المختلفة لمدن الشمال والتأنق في الملبس كما أشاهد عليه أبناء الأغنياء. ولذلك لم أتردد قط في استجابة دعوة زوج شقيقتي للسفر إلى بلدة "الجلفة" إذ وجد لي فيها منصب شغل، ويستقدمني لأول فرصة تسنح لي برفقة أحد التجار الأمناء من أبناء العطفاء.

لم يعد في التردد إلى الكتّاب ما يشبع نهمي إلى مزيد من المعرفة، ضرورة أني قد استوعبت أكثر ما يمكن أن يقدّم لتلميذ في مثل سنّي من مبادئ اللغة العربية وختم القرآن. وقد بدأت الصلاة وصمت أول رمضان لي، فبدأت أنقطع عن الكتاب، استعدادا للسفر وشدّ الرّحال إلى مدن الشمال. وكان شيخي يفكر في إمكان إرسالي إلى بعثة الإمام الشيخ بيوض بالقرارة، ولكن من لي بهذه الأمنية أن تتحقّق ولا عائل لي يتكفل بمصاريف البعثة، فبقيت الفكرة حلما يراود شيخي. أمّا أنا فكنت أتعجّل تلك الفرصة التي أشدّ فيها الرّحال، لأصبح مثل الرجال، ضاربا في أرض الله، متمتّعا بمناظرها، مستفيدا من خيراتها.

وما كان يدور بخلدي يومئذ تعب ولا نصب، ولا كبت ولا قيد. بل تصورت أن السفر هو محض الانطلاق والحرية والتمتع بأطايب الحياة، إذ حظيت بأول سفر في حياتي إلى مدينة الجلفة ولي من العمر ثمان سنوات في سنة 1937 بمبادرة من أبناء عمومتي لقضاء عطلة الصيف هناك.

وهكذا جاء اليوم الموعود، ودقّت ساعة الفراق، ويا ما أصعبها على الأم الرؤوم، وهي تتكبّد لواعج الخوف والإشفاق، وما تدري كيف يكون مصير وحيدها في تلكم الأماكن والآفاق.

ودع هريرة، إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعا أيها الرجل.

ودّعت أمّي بنفس كئيبة ولسان حالي يردّد مع ابن زريق:

ودعته وبودي لو يودعني … صفو الحياة وأنى لا أودعه.

ج - في مجال الكسب والارتزاق:

٢١ / ٢٥١