رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠كنت أرقب هذه التّغيرات بحذر وإشفاق، وكنت ضمن طاقم القيادة العرفية على مستوى "وادي ميزاب" لا أطمئن لتلك الأوضاع. وألحّ على رفاقي أنه يجب أن نغيّر منهجية عملنا في سياستنا للجمهور، سيما على مستوى "الكرتي"، حتى نستبقي على ذلك الرّصيد من الثّقة في معالجتنا للأمور، لأن شبابنا قد ركبه العجب والغرور، فهو يهيم في كل واد، ويرتاد كل ناد، ويهش لصيحة كل مناد. ولكن رفاقي لم يعيروا لتلك الملاحظات أيّ اهتمام، فتيقنت أن سينفلت من أيدينا الزّمام.
وعلى مرّ الأيام وتوالي الأحداث في منتصف العقد التّسعين أخذت الغيوم تتلبّد، ومختلف التّشكيلات السّياسية تترصّد لتتصيّد، ومجلسنا "الكرتي" يؤتي من الدّاخل، حين اختلط فيه الحابل بالنّابل، فعلمت أنه نذير العاصفة، وأن وراء ذلك تحرشات في مخططات هادفة. وفي مثل هذه الأوضاع المربكة يحتار اللّبيب ويفتن الحليم، ويتولّى الوفيّ الغيور وهو مبتئس كظيم.
وفعلا لم أجد بدّا -وأنا أعاني من السّكر والضّغط- من أن أجتنب الصّدمات النّفسية، وأبتعد عن كل الملاحاة والمهاترات وفق الإرشادات الطّبيّة. فوجدتني مضطرا إلى تقليص مشاركتي في الحضور لتلك الجلسات، ونحن نستقبل الانتخابات التّشريعية والمحلية بعد الرّئاسيات، وكنت أتمثل لواقعنا بالمثل القائل: ما كل مرّة، تسلم الجرّة. لأن الظّروف غير الظّروف والذّهنيات اليوم غيرها بالأمس، وهكذا يثبت التّخمين ويصدق الحدس.
فما تكاد الانتخابات التّشريعية تمرّ ليوم الخميس 29 محرم 1418هـ الموافق ليوم 05 جوان 1997م. ولم نتحصّل إلا على مقعد واحد في المجلس الوطني، حتى تفجّر مجلس "الكرتي" فهاج وماج في التّلاحي والعتاب، ولجّ جلّ أعضائه في الشّك والارتياب. واحتار كل فريق في معرفة المبرّرات والأسباب. وحمدت الله تعالى أن كنت بعيدا عن موقع العاصفة وإن لم يعذرني رفاقي في موقفي وطروحاتي حسب البيانات السّالفة.