رحلة العمر
الجزء ١ · صفحة ٢٠٤ها قد جاوزت الثّمانين، وتتثاقل خطاي بوطأة السّنين، وأصبح لي من الأولاد والأحفاد أكثر من السّتين، فهل سيمدّ الله في حبل الأجل إلى حين، أم أنني من النّهاية قاب قوسين؟. ولكل أجل كتاب. وأحمد الله أنني ما زلت أتمتع بنشاط العقل وقوة الإبصار، ولكنني أصبحت لا أجد اللّذة والمتعة إلا بين الصّحائف والأسفار، ولا أحسّ بالرّاحة والطّمأنينة إلا في رحاب بيت الله، أتوجّه إليه بالحمد والثّناء والاستغفار، وألوذ بكنفه في الأصائل والإبكار، وأحيانا أودّ لو أنني أتوارى عن الأبصار، لأنأى عن واقع النّاس فلا يستفزّني منظر ولا أتألّم لموقف ينبو عن المروءة والفضيلة، وأنا في ذلك أميل إلى ذلك الموقف الذي اختاره لنفسه أحد مشائخنا في "جربة"، وقد افتقده مريدوه في المجامع، وعندما استفسروه عن السبب أجابهم بقوله الحكيم: أريد أن أترك النّاس قبل أن يتركوني.
نعم!، لقد قدّر الله أن تكون مسيرة عمري في مجتمع صعب المراس، مرهف الحسّ، وعندما أقيّم تلك المسيرة في الإصلاح والتّغيير -وأنا الفرس المجلّى بين رفاقي- فإنني أجد إنجازا ضخما قد حققناه -بعون الله- في الإصلاح الاجتماعي، وقد بيّنت جوانب منه في هذه التّسجيلات، وصحائف بيضاء من الجهد والعطاء، ومن تضحيات واجهنا بها كل المصاعب والتّحدّيات، على ندرة من الإمكانيات ومجافاة -أحيانا- من الأعوان والنّصراء.
وحسبي بذلك ما عند الشّهم اللّبيب أن يجد نفسه مدفوعا إلى الواجهة تحت وطأة الأحداث، ثم لا يلبث أن يجد نفسه مرفوعا إلى قمة المسؤولية، وهو لم يستكمل بعد عدّته، ولم يستجمع قوته ليتبوأ تلك المنزلة، سيما في المجال الدّعويّ الرّوحيّ، وهو الحمل الثّقيل الذي ناءت بحمله السّماوات والأرض والجبال، ولكن ما حيلتي في هذا الموقف وقد ورد في الأثر: مقامك حيث أقامك الله.