رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢٠٥

فمن لي بدرّة عمر، ودهاء معاوية، وذكاء إياس، ومن لي بفصاحة سحبان، لأخوض هذا الميدان؟، وإلا فإن الطّموح والمغامرة قد تصحبهما الخيبة والفشل، والويل لمن أشارت إليه الأصابع، ثم انزوى وتوارى على عجل.

لقد علّمني اليتم كيف أعتمد على نفسي، ودرّبني الفقر على أن الحياة جهاد وكفاح، وأن عليا المراتب لا تتاح فيها لجبان، ولقنت منذ نعومة أظفاري أن السّؤدد والفخار قرين المشقة والمعاناة، إذ وضعتني الأقدار على الطّريق الوعر، وتيقنت أنني لم أخلق لمتعة الدّنيا وزينتها. فأصبحت -وأنا المعلّم المتواضع- أزدري أبّهات المترفين وأحتقر زهو الأغنياء، وأمقت كل مظاهر الفخفخة والكبرياء، فأحسست بهمّة عالية وعزة نفس جعلتني لا أتردّد في نصرة الحق والدّعوة إلى الخير قولا وعملا وسلوكا ولا أبالي أرضي النّاس أم غضبوا. وإذا نصحت أو أرشدت لا يهمّني المدح أو القدح، ولا أنتظر من النّاس جزاء ولا شكورا، فحققت بهذا الموقف النّظيف، وبذلك الأسلوب الحكيم وبعون الله ما كنت أرجوه لهذا المجتمع من سلاسة القياد، ومن الثّقة والاحترام، حين وجدتني في قمة الهرم من المسؤولية الرّوحية، أزجي سفين المجتمع في بحر لا تسالمه الأنواء، وأدافع عن عرينه بصرخات لا تتيح الفرصة للسّفهاء، وفي كتابي "صرخات على مسرح المجتمع"، في حلقتيه، يجد القارئ الوفيّ عيّنات من ذلك الجهد المتواضع. وفي كتابي "المجموعة السّنية للرسائل الأدبية"، يجد الأديب الأريب شذرات من الذهب أرجو أن تكون من الفرائد الرّوائع. وفي سجل "من مقام المسؤولية" يجد الدّارس دليلا حكيما في المسالك الوعرة، ونموذجا لما تتطلبه من الحنكة والخبرة.

٢٠٥ / ٢٥١