رحلة العمر محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

رحلة العمر

الجزء ١ · صفحة ٢٠٦

والآن وقد بلغت من الكبر عتيا وأصبحت في ﴿ثُمَّ﴾ الأخيرة من قوله تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ [الرّوم:54]. ماذا عليّ لهذا البلد العزيز، ولم أستبق شيئا من الطّاقة والجهد؟، بل ما أزال أقدّم له من حشاشتي وعصارة فكري ما ينير له الدّرب ليواصل مسيرته في طريق المجد.

ويبقى الهاجس الملحّ على خاطري والهمّ الجاثم على صدري هو إيجاد الخلائف الذين يتولّون من بعدنا رفع المشعل في ليل يكاد تنبهت نجومه وينكدر قمره، ويبقى السّارون فيه حيارى في الاهتداء إلى طريق النّجاة. ولكم فكّرت وانتقيت فلم أكد اهتدي إلى من يطمئن له الخاطر. ذلك لأن الأمانة ثقيلة، ومسؤولية التّكفل بمصير الأجيال تتطلب مميّزات هي اليوم أعزّ من الكبريت الأحمر. وقديما قال الحكيم الصيني "كونفوشيوس" وهو يضع منهجه التّربويّ لأمته العريقة. فقال: "وإني لا أدري كيف أجعل النّاس متساوين، ولكني لو استطعت أن أجعل الرّجل الطّيّب قادرا والرّجل القادر طيّبا، فقد يكون ذلك عبرة للناس ترتفع بهم إلى مستوى الأمانة والتّمدّن".

أيْ -والله-، لقد أصبحت المسؤولية اليوم مغنما يهابها القادرون الطّيّبون، ويتصيّدها الانتهازيون المغامرون. وأمام هذا الواجب التّاريخي الملّح كان لا بدّ لنا من التّعجيل والإقدام، ومن مراعاة الأولويات والتّنظير بين المجالات الاجتماعية التي تستدعي الاهتمام، وليس أولى بذلك من مؤسساتنا العرفية، بدءا بحلقة العزابة وما يتبعها من التّعليم الدّيني، إلى مجلس الأعيان ومجالس العشائر، فقد وقفنا الله إلى تطعيم كل تلك المؤسّسات بعناصر كفأة شابّة يعطون لها دفعا قويّا لمواكبة التّطوّرات ومواجهة التّحديّات.

٢٠٦ / ٢٥١